
نورس البريجة : خالد الخضري

من أحدث أعمال المخرج المصري مروان حامد ، فيلم “الست” – سيناريو : أحمد مراد – بطولة : منى زكي (أم كلثوم) سيد رجب (والدها الشيخ إبراهيم البلتاجي) أحمد خالد صالح (أخوها الشيخ خالد البلتاجي) عمرو سعد (جمال عبد الناصر) – محمد فراج (أحمد رامي) نيلي كريم (الملكة نازلي) تامر نبيل (القصبجي). فيما يلي قراءة خاصة بهذا الفيلم:
1- الأولى في الغرام
تناول عدد من الأعمال الدرامية المصرية قصة حياة الفنانة السيدة أم كلثوم من أشهرها مسلسل (أم كلثوم) إخراج إنعام محمد علي، بطولة صابرين وفيلم (كوكب الشرق) إخراج محمد فاضل وبطولة فردوس عبد الحميد،. أنتج العملان معا سنة 1999 وطابعهما روائي بعكس فيلم (السّت) الذي جمع بين الروائي ونظيره الوثائقي حيث عمل المخرج على تأثيث أو بالأحرى تطعيم السرد الروائي بلقطات وثائقية للست سواء هي تغني أو تستقبل أشخاصا أو تستقبلها شخصيات سياسية أو فنية داخل وطنها وخارجه، مثاله لقطات حفل “الأولمبيا” بباريس، مشهد جمع التبرعات من نساء الدول العربية التي زارتها وضمنها المغرب لدعم المجهود الحربي ثم مشهد جنازتها الذي كان برمته وثائقيا حيا. كما لجأ إلى الوثيقة المسموعة بإدماج مقاطع مسجلة بصوتها وهي تحكي عن مسارها الفني وحياتها في مذكراتها أو رد منها في مستهل الفيلم هذه الفقرة:
((أتصور المسرح و ليس فيه أحد سواي، لا أسمع أصوات تصفيق ولا صيحات استحسان، فأغني و أنا أحلم…ثم يوقظني تصفيق الجمهور في نهاية المقطوعة وأشعر شعور النائم حين يستيقظ بعد حلم رائع، فيتمنى لو أنه لم يفتح عينيه وعاش إلى الأبد في ذلك الحلم الجميل)).
فهذا البوح المُتسرّب عبر هذا الحلم يشي بأن الأولى في الغرام بالنسبة لأم كلثوم هي الموسيقى التي أحبتها حتى أكثر من نفسها وصحتها، يزكيه ردها على الدكتور حسن السيد الحفناوي حين طلب يدها للزواج سنة 1954حيث سألته: “ألديك استعداد لتكمل حياتك مع وحدة تحب الغناء أكثر من أي شيء في الحياة؟”
2 – وحقك أنت المنى والطلب
بعد ذلك يلجأ المخرج إلى أسلوب الدائرة حيث يبدأ من النهاية لينتهي إليها، مرورا ببقية الأحداث التي تؤدي إليها عبر تقنية “الفلاش باك”. وهكذا يبدأ الفيلم بوصول أم كلثوم إلى باريس سنة 1967 لتغني في قاعة “الأولمبيا” وذلك في إطار جولتها الداعمة المذكورة، وفي تلك الحفلة الصاخبة التي كثف فيها اللقطات الوثائقية الحقيقية والكل يصيح بشكل هيستري “سومة سومة.. عاش العرب” يهجم عليها شخص ليرديها أرضا. وهي ملقاة فوق الخشبة تفتح عينيها، يؤطر بصرها أغصان شجيرات بالكاد تحركها ريح هادئة على هدي تغريد عصافير، تتراجع الكاميرا إلى الخلف لتأطير مشهد في البادية تكتب وسطه هذه العبارة: ” السمبلاوين 1906″ و هو اسم القرية التي ولدت بها أم كلثوم وكانت آنذاك طفلة في سن الثامنة ترتدي لباس طفل وتضع العقال الكوفية على رأسها، رفقة والدها الشيخ إبراهيم البلتاجي وشقيقها الشيخ خالد، حين كانت تؤدي تواشيح دينية وأمداح نبوية في الحفلات والمناسبات الاجتماعية قبل أن تتحول إلى الغناء.
ثم ينتقل بعد ذلك إلى المحطة التالية وهي القاهرة سنة 1924 لتنبهر بعالمها ضجيجها صخبها وأهلها المسرعين في كل اتجاه ودون تجاه، فيجرها قدرها لتغني أول مرة في كازينو “البوسفور” حيث ضحك عليها بعض الجمهور مستهزئين من لباسها وهم “مُش عارفين هل هي بنت أم ولد؟” وحين تشرع في المديح يأمرها أحد المتفرجين وهو يمسك مسدسا بيده وقد لعبت الخمر برأسه، أن تغني. وكبدوية حرة شجاعة تصرخ في وجهه.
– إن كنت راجل أضرب
لكن الضربة تأتيها من والدها أمرا إياها بالاعتذار خوفا عليها وعلى حياتها طبعا. لكن هذا الموقف وتلك الصفعة كانا بمثابة جرس أو منبه إلى أن أم كلثوم ستنتقل إلى شخصية أخرى وعالم آخر لا يرحم، الشاطر الحذق فيه هو من ينجو بنفسه حتى قبل أن يفكر في تحقيق بعض أحلامه وطموحاته. فتكون أول قطعة تفتتح بها مسارها الغنائي خارج التواشيح والأمداح هي “وحقك أنت المنى والطلب” كما تغير لباسها وترتدي زيا نسويا يناسب الفترة، تعطيها معه الرسامة (أمينة خليل) التي ألبستها منديلا صغيرا تمسكه بيدها لتضغط عليه كلما أحست بالخوف والتوتر، فظل ملازما لها طوال مسارها الفني.
وحين تحل أم كلثوم بالفندق الذي سيأويها هي ووالدها وشقيقها تقول له بصرامة:
– هذه آخر مرة تمد يدك على بابوي.
3 – أنا في انتظارك
في هذه اللحظة نسمعها في الصوت الخارجي وهي تردد مقطعا من أغنية (الأطلال): “أعطني حريتي أطلق يدي.. آه من قيدك أدمي معصمي” وهي لازمة خفيفة تزكي ما يشاهَد وما يقال في اللقطة الحالّة دون أن تسقط في شرح الموقف، مثاله حين توجد أم كلثوم في موقف حميمي مع بعض معجبيها وعشاقها على رأسهم الشاعر أحمد رامي الذي رفضت الزواج منه مخافة أن ينطفئ ذلك الوهج الإبداعي بينهما فتفقد دورها كملهمة له، فخلال حوارهما هذا كانت اللازمة الموسيقية تردد افتتاحية (ألف ليلة و ليلة): “يا حبيبي.. الليل وسماه ونجومه و قمره”. أو حين منحت مأمور الشرطة تذكرة لحضور إحدى حفلاتها، قال لها: “سأكون من أول الحاضر أنا وزوجتي” ردد صوتها الخارجي مقطع: “أنا في انتظارك”.
بالتالي، وبخلاف بقية الأعمال التي أنجزت عن “الست” كانت كلها مليئة إما بأجزاء من أغانيها، أو بأغانيها كاملة أو بمقاطع موسيقية من ألحانها، بينما اقتصر الفيلم موضوع القراءة على بعض المقاطع الصغيرة أو على مقدمات من أغانيها على رأسها (انت عمري) التي استهل واختم بها الفيلم. لكن مؤلف الموسيقى التصويرية عمد إلى إنجاز موسيقى مساندة، أي أن لحنها قريب من لحن بعض أغانيها كما حدث مع ” يا ليلة العيد” أو “وحقك أنت المنى والطلب” ” أو “الصبّ تفضحه عيونه” حيث تشعر كأن الموسيقى ستساير أداءها لكنها تَزْوَرُّ عنه لتأخذ منحا أوركيستراليا مكملا أو بالأحرى مساندا لما تتفوه به الست سواء كان إنشادا أو مجرد حوار.
وفي سياق الاختلاف أيضا قدم الفيلم أوجها لم تتجرأ بقية الأعمال السابقة على إظهارها عن شخص أم كلثوم، كالتدخين والحرص الكبير على المال، ودقة المحاسبة والقسوة التي تعامل بها بعض الموسيقيين متى تأخروا على موعد التمارين تصل درجة الطرد، إلى غير ذلك من بعض الجزيئات التي ربما قد تخدش الصورة المثالية المكونة عنها لدى عشاقها.
لكني لا أراها كذلك بل هو جزء من “السّت” كأية امرأة لها أساليبها في التعامل مع متطلبات وإكراهات الحياة، يكفي ذكر نموذجين قويين عن طيبتها وسمو خُلُقها، أولهما نفيها لمحاولة إطلاق الرصاص من طرف القصبجي حين غشي بيتها ذات ليلة وقد أعمته الغيرة بسبب زواجها من محمود الشريف، حيث صرحت في قسم الشرطة أن الرصاصة انطلقت خطأ حين كان القصبجي ينظف مسدسه وألزمت زوجاها بالتنازل عن الشكاية. والثانية مسامحتها للشاب الجزائري الذي هجم عليها فوق خشة مسرح “الأولمبيا” بباريس وطرحها أرضا كما شاهدنا في بداية الفيلم، حين علمت منه أنه فعل ذلك فقط بدافع حبه لها وإعجابه هو عائلته بفنها، بل ومنحته تذكرة حضور حفلتها المقبلة.



