
نورس البريجة: خالد الخضري
ساكنا كجُلمودِ صخر تجده رابضا أمام البحر “حتى لا يرحل”. ينفث دخان سيجارة بالكاد يشعلها ليخمدها وكأنه يسارع بإخماد أوجاع وجدانه المتلاطم بزخم من الانفعالات والأحاسيس والأفكار. يفرغها مرة على متن حروف، كلمات وجملا لتفرز سيناريو فيلم أو مسلسل من الواقع يمتح وإليه يعود، ومرة يسكبها صباغة وألواناً لتشرق بها لوحات ترفل في أشكال وتضاريس متباينة ترتاح لها العين وتبهجها قبل النفس حتى ولو لم تفهمها.
ذلكم هو السيناريست والفنان التشكيلي حسن مْجاهد الذي حكم على نفسه – ومن تلقاء نفسه – بإقامة جبرية في ومع ذاته بشاطئ الصنوبر(دافيد سابقاً) القابع في وداعة بين مدينتي المحمدية والرباط. يقيم بمحل سكناه معرضاً مفتوحاً للوحاته لمن شاء الزيارة والاطلاع كما الاقتناء والاستبضاع.
حسن مْجاهد، قامة فارهة في الواقع كما في الفن والإبداع كتابة وتشكيلا، أقام الكثير من المعارض التشكيلة فردية وجماعية في عدد من الأروقة بمختلف المدن المغربية. وألف العديد من المسرحيات وسيناريوهات أفلام قصيرة وطويلة كما المسلسلات، من أشهرها ونال إقبالا كبيرا من الجمهور واستحسانا من طرف النقاد والمهتمين مسلسلان بُثا على القناة الأولى: (المصابــون) 1999 إخراج محمد عاطفي، بطولة: رشيد الوالي، نسرين عاشور، سعاد صابر، هدى الريحاني، فاطمة وشاي، محمد الرزين، أحمد الناجي، صلاح الدين بنموسى، نورا الصقلي، نور الدين بكر، عبد الله العمراني، عبد الكبير الركاكنة، وحسن مكيات. ثم (المستضعفون) 2007 إخراج ناصر لهوير، بطولة: رشيد الوالي، محمد بنبراهيم، رجاء عمران، عبد الإله عاجل، عائشة ماه ماه، السعدية أزگون، بنعيسى الجيراري، حنان الإبراهيمي، وحسن فولان.

حسن المُجاهد بين الكتابة والتشكيل، شخص هادئ بالكاد ينطق إلا إذا جررته لذلك، ساهم وشارد معظم الوقت، ذو بشرة سمراء زادتها أشعة الشمس ملوحة وسمرة داكنة فغذا مثل “رايْس” مركب بحري في يده اليمنى مجداف على شكل قلم، وباليسرى آخر على شكل فرشاة. فلقاربه دعاني لنزهة إبداعية تجاذبنا خلالها أطراف حديث أبحر معظمه في خضم الفن، من أهمه سؤال حول كيفية وملابسات الجمع بين كتابة السيناريو وبين فن التشكيل؟ فجاء جوابه مركزا بليغا.
“هما فنان أو بالأحرى خطان متوازيان قد يبدو للوهلة الأولى أنهما لن يلتقيا أبدا تبعا للقاعدة الرياضية والعلمية، لكنهما على بساط الإبداع يتقاطعان ثم يلتقيان لينصهرا حتى لا تكاد تشعر أين يبدأ أحدهما لينتهي الآخر. ولقاؤهما هذا يحدث في قناة أو خانة الإبداع، فأنا شخصيا حين تتعبني لغة الضاد، وحين تؤرقني الحروف والجمل والتراكيب ويجهدني المخيال في كتابة السيناريو، ألجأ إلى التشكيل لأرتمي بذهني المنهك بين تلاوينه ومنعرجاته، حيث يمكن أن أطلق سراح الأفكار والمشاعر والمواقف التي لا يمكنني قولها في السيناريو.
المواضيع التي تسبح فيها أو حولها سيناريوهاتنا ذات طبيعة اجتماعية متداولة بيننا، لكن ثمة حدود حمراء تقيمها الرقابة الذاتية قبل الإدارية من طرف الجهات الرسمية، في حين أن حقل أو فضاء التشكيل رحب لا حدود له، وفيه يمكن أن نفرغ ذواتنا ودواخلنا المرهفة.
كتابة السيناريو مرتبطة بالغير (الجمهور، القارئ كما المشاهد) لهذا فأنت مجبر على أن تكتب وتصور ما يروقه هو بالدرجة الأولى، لأنك تكتب للناس وعن حياتهم، قضاياهم وعلاقاتهم فيما بينهم، بعكس التشكيل، فأنا أرسم لنفسي في المقام الأول، أتحدث عن نفسي وأعبر عما بدواخلي، فقلما أرسم لوحات تروق الناس، فإذا صادف أن راقت بعضهم فهذا شيء رائع، وإذا لم ترقهم فهذا غير مهم.
لأنني أكتب “عما” ألاحظه وأعاينه حلوا كان أم مرا، فأسجل وأدَوِّن ما ألاحظه في مجتمعي وعن علاقات الناس وكيفية العيش بينهم وهذا أمر ليس بالهين، فالكتابة بهذا المفهوم متعبة، لأنها بشكل أو بآخر بحث عن الوجود. أما التشكيل فأنا لا أرسم “عما” ألاحظه أو أحسه، أنا أرسم “ما” أحسه وأشعره بحلوه ومره، بمعاناته ولذّاته، بنجاحاته وإخفاقاته. وبالتالي فالتشكيل بالنسبة لي أشد راحة لأنني أرسم لنفسي قبل الغير. إذ فيه أغيب تماما عن الواقع، وعن المجتمع ثم عن ذاتي لأجدها في الأخير بداخلي وسط هذا المجتمع نفسه.
التشكيل في النهاية إقرار وتوقيع بالوجود”.
في الفيديو التالي يشرح حسن مْجاهد رأيه هذا بالصوت والصورة:



