فن وثقافة

“يا ذاك الإنسان، ما منّك جوج”

في رحيل عبد الهادي بلخياط

نورس البريجة : خالد الخضري

وداعا ”يا داك الإنسان” الجميل، وداعا ”أمحبوبي” مشيتي ”مللي عاد الربيع وموسم المسارية ضْوا بالشمس والازهار”.. البارحة فقط ترجّلتَ من ”قطار الحياة” تاركا “القمر الأحمر” خجولا وراء الجبال، وفقط “بالأمس القريب” شاهدتك تخطر بثقل فوق رمال “الشاطئ” عائدا بجرابك خاويا لا سمك ولا طُعم فيه مرددا في خفوت: “شافوني الناس بالصنارة ظنوني صياد مهارة”.

ثم جلستَ على صخرة صمّاء تجتر آلام الماضي وأنت تردد في داخلك: “في قلبي جرح قديم يا ناس أجّا ما دَواه؟”.. كنتَ كسقّاء الماء الذي  يموت عطشا أو الطبيب الذي لا يجد دواء  لعلته “طْ|بيب وجرحي ما عندو دوا” وعلى خدك سالت “دمعة الفراق” وانت تكفكفها هامسا: “عار الاحباب عار.. ما راعيتو عشرة فين النية وعهد الله.. علاش هجرتو الدار وانا قلبي مسيكين أجّا ما نسّاه؟”.. تنتظر عودة قمرك لتشكو إليه خيبة أملك في حبيبتك التي خذلتك وأنت من “حسِبْتها آية كبرى من عالم السحر، أو ذلك النور الذي يلمع في البدر” فإذا بها تتمنع عليك مشترطة ما لا طاقة لك به، دون أن توليَ اهتماما لاستعطافك: “يا بنت الناس أنا فقير ودراهم يومي معدودة” ف “ارحميني” ولا تتركيني أنتظرك طويلا مثلما فعلت في آخر “ميعاد” وتركتني مشردا تائها “كالبوهالي” مرددا دون طائل: “سأظل أرقب وعدها” نعم، لازلت أذكر ذلك المساء الحزين وقد صرتَ أنت والصخرة التي كنت تقتعدها قطعة واحدة، تتأمل صورة الخليل في صمت حين رفرف حواليك نورس منشدا: ”اهدى لي صورتو البارح، لكن الصورة خيالو وخيالو ماشي فحالو”.

مزّقَتِ الصورة َرياحُ البيْن فامّحت معالمها بين طيات الموج حين حملها الجَزْر بعيدا، ولم يبق لك سوى أن تُرهف السمع لعيني الحبيب علها تقول شيئا: “سمعتُ عينيك وما قالتا.. سمعتُ كل الهمس خلف الجفون.. وارتعشتْ كفاي في لمسات.. أودعتُها حبي وسري الدفين” فجثمتَ تناشده العَوْدَ وأنت ترى خياله يتراقص على صفحة الموج “خيالك اخطر تاني في البال ناري ولقاني وحداني، وقتاش تشوفك عينينا ما منك جوج انت واحد” لكن وشاية الواشين جعلتك تتنكر له ف “صدقت كلامهم” ولما عاد إليك سألته بقسوة: “علاش جيتيني في هاد الظروف؟” فإذا به يغضب ويتولى عنك من جديد مطالبا باسترجاع رسائله وصوره وليتركك تُقر وتتساءل بحسرة متأوها: “آه ما تاقش بيا واش ما عندو ثقة فيا ؟”.

قال لك: إليك عنّي لا أريد رؤيتك، فرددتَ: “كيف يدير أسيدي اللي قلبو كيبغيك؟” فالتفت ومضى وهو ينصحك بالصبر والبحث عن بديل. لكنك ثُرت صائحا: “اليوم الصبر تقاضى” وتعلن انسحابك من ساحة الهوى، “أنا ما بغيت حب جديد، إذا مات الغصن فالورد اللي سقيناه راه اليوم ذبال وطاحت الورود”. ورغم ذلك  تعود “شاردا في الليل” تمني النفس “بأغلى أمل” تشكو حالك لحالك ولا من  يسمع أو يهتم: “شوفو الهوى وما دار فيا، تبْرا كيّة يزيدني كيّة”.

ثم اختفيتَ ولم يبق في مثواك سوى تلك الصخرة من ذلك الشاطئ الذي أقفر من شذوك، أفل فيه قمرك، استكان البحر، خمد الموج وغفا الطير والبشر. ثم عدت وقد احدودب ظهرك، ابيضّ شعر رأسك وذقنك، وهزك الشوق والحنين لزيارة المقام حيث “شع نور محمد” فناديت: “يا قاطْعين الجبال، زايْرين قبر النبي.. أنا مومن باغي نزور، قولوها بلساني” اغرورقتْ عيناك وسال دمعك سخيا يخضّْب شعر لحيتك، ودعوتَ بصوت تخنقه العبرات: “يا من إلى رحمته المفر ومن إليه يلجأ المضطر” تب علي وارشدني لسواء السبيل. ثم قمت من جديد تجر قدميك فوق رمل بارد انحسر عنه الموج وهجرته النوارس، وأمامك كان يشع ضوء أخضر من بعيد اعتقدتَه فنارا يرشد القوارب والسفن في عرض البحر، ارتديت نظارتك الطبية واقتربت مدققا النظر. فلم يكن سوى إشارة إلكترونية تلمع فيها عبارة: “محطة الوصول.. نهاية السير”.

هنا جثوتَ على ركبتيك، وضعت يديك لصق أذنيك وأطلقت حنجرتك مهلِّلا ومُكبّرا، فانتقل تهليلك وآذانك الشجي مباشرة إلى مآذن ومساجد البلاد عبر حنجرة لم تؤثر عليها نوائب الدهر ولا تعاقب السنين، حيث ظل صوتك دافئا قويا، لسانك فصيحا بليغا، وقلبك طفّاحا بحب الله والخير والحث على الأمل والثقة به في انتظار ساعته “المنفرجة”:

“اشتدى702 أزمة تنفرجي                                 قد آذن ليلك بالفرج

وظلام الليل له سُرج                                       حتى يغشاه أبو السُّرُجِ

وسحاب الخير له مطر                                      فإذا  جاء الإبان تجى

واختم عملي بخواتمهم                                       لأكون غدا في الحشر نجي

يا رب بهم وبآليهم                                            عجِّل بالنصر وبالفَرَج’

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button