فن وثقافة

محمد صوف ..بين الإبداع والحكمة

باقة إهداء في خمس مشاهد من أجل محمد صوف

نورس البريجة: خالد الخضري
نظمت المكتبة الوسائطية لمؤسسة محمد السادس للأعمال الاجتماعية بالرباط، لقاءا تكريميا خاصا بالكاتب القاص والروائي محمد صوف .. حيث قدمت في حقه ثلة من الباحثين والمبدعين كلمات، شهادات وقراءات في مجمل أعماله كما في شخصه هم الأساتذة: العربي بنجلـــــون: (ناقد أدبي وقاص متخصص في أدب وقصص الأطفال) – محمد الاحسايني: ( كاتب روائي وقاص) – محمد يوب: (ناقد) – حسن اعبيدو: (أستاذ تعليم وتكفل أيضا بإدارة هذا اللقاء وتنشيطه) فكاتب هذه السطور.. حيث قمت بإعداد وتلاوة الورقة التالية التي أترك للقراء الأعزاء تصنيفها في أية خانة تبدو مناسبة لها مع اعترافي – وبدون أي ادعاء زائف – أن هذه الكلمة أو الورقة، وأيا كانت الخانة أو الصنف الأدبي الذي تنتمي إليه، لا تكفيني في حق هذا الرجل إبداعيا، إنسانيا ومعلوماتيا … وبالتالي سوف أوردها على شكل سيناريو من ثلاثة مشاهد، أتمنى من زميلي العزيز وصديقي الأعز محمد صوف أن يتقبلها مني باقة إهداء بمناسبة يومه ذاك لا سيما أنه صادف الاحتفال بعيد الحب .. مصادفة حلت في محلها وفي
الشخص المحتفى به فيها تماما .. فللحب عدة أبواب، إذا أغلق أحدها فتحت أخرى–

المشهد الأول: داخلي / نهارا
ورطة الحب في عيد الحب !!
لم يحدث أن شعرت بحرج ما حين تقديمي لمبدع ما بمناسبة تكريمه أو ظهور إبداع جديد له، مثلما شعرت به أمام زميلي العزيز وصديق الأعز الأستاذ صوف محمد، إن علاقتي به مركبة يمتزج فيها الإبداعي بالإنساني بشكل جدلي متبادل التأثير يصعب معه ترجيح كفة أحدهما عن الآخر مع البوح أو الإقرار أن ضفة محمد صوف الإنسانية تغريني أكثر بالتجديف نحوها لأن في مرتعها تنمو براعم الإبداع وعلى جنباتها تنتشر طحالب الحب
وحيث يحل الحب والإبداع تحل الحياة بجزئياتها وشساعتها.
منذ أن ابتليت ببلية أو لوثة الكتابة لاسيما على مستوى الكتب على قلتها، كنت ولا أزال ألجأ إلى السي محمد أطلب رأيه، نصحه ثم عمله لبلورة المكتوب، مكتوبي أنا، والمكتوب عليه هو، فلا يرد لي طلبا وهو لا يفتأ يردد بابتسامة تخجلني من وفرة طلباتي من جهة، ثم تغريني من جهة ثانية بطلب المزيد، فيستجيب منفذا وهو يقول
! زيد ع زيد.. أنا عارفك ما كتقاضاش –
:وحين يستوي العمل جاهزا بفضل إرشاداته بالدرجة الأولى فاجتهادي، يعلق بما يشي بإعجابه
أنا عارف فعاليك-
لذا تملكني الحرج حين هممت بالكتابة عن محمد صوف حين وجدتني ودون شعور أو قصد مسبق أكتب عن خالد الخضري
أفليست هذه أكبر ورطة حب بين رجلين؟
المشهد الثاني: خارجي / ليلا

الحيلة أحسن …
من ثمرات هذا الحب أو الإبداع المشترك كتاب يحمل توقيع خالد الخضري، لكنه ممهور في صلبه بتوقيع أهم جندي من جنود الخفاء الذين ساهموا في إنجازه، إنه هو لا غيره، السي محمد صوف الذي قام بترجمة الجزء الأكبر من كتاب “دليل المخرجين السينمائيين المغاربة” في طبعته الثانية سنة 2000 إلى لغة فرنسية، أقل ما تنعت به أنها لغة سليمة ومرنة .. كما قام بمراجعة وتصحيح الطبعة الثالثة سنة 2006 وبنفس القدرة من المهارة والتدقيق اللغوي، ليس فقط لأنه ترجمان محلف، ولكن لأنه في عمقه مثقف وفنان محنك، حيث كتب وقال محمد صوف خلال تقديمه لهذا الكتاب في حفل توقيعه بفضاء الواسطي بالدار البيضاء سنة 1997:
“- لقد جرى خالد الخضري وجارى وراء المخرجين المغاربة في كل مكان، ساعدته مشكورة سيارتـــــــه التي تحولت في كثير من الأحيان إلى غرفة نوم ودولاب لتغيير الملابس”
كتب السي محمد صوف القصة القصيرة كما الرواية والسيناريو والمقالة، والترجمة .. وقدم كتب عددا من زملائه وأصدقائه ضمنهم كتابي “أفلام راسخة سينما عربية” الذي اقتصر فيه على ورقة مقتضبة لم تقنعني كميا في البداية فطلبت منه أن ” يتهلى فيها ويسمنها” قليلا لكنه رفض قائلا:
– تلك هي قناعتي بما كتبت، فإما أن تبقي عليها كما هي أو ترفضها بكاملها
فرجعت أعيد قراءة تلك المقدمة من جديد لأستوعب أولا فداحة خطئي بالمطالبة بغيرها ثم جماليتها، عمقها، وخصوصا ذكاء موقعها في استدراج القارئ وفتح شهيته لقراءة الكتاب، حيث استهل ورقته كاتبا:
“- “إذا كنت تحب السينما العربية، اقرأ هذا الكتاب، وإذا كنت لا تحب السينما العربية فاقرأ هذا الكتاب
ثم يتفنن وبأسلوب شيق في تبرير طرحه المربك هذا والذي لا يجد معه القارئ في الأخير إلا أن يقتني الكتاب لقراءته برمته فهول لا يقول لك:
” ها العار اقرا هاد الكتاب”-
ولكنه يتحايل عليك، طبعا بذكاء إيجابي مفيد لك وللكاتب كما الكتاب، لكي تقرأه فلا تجد سوى الامتثال. كتب محمد صوفي في الشطر الأخير حين تقديمه لكتاب (أفلام راسخة):
“- “اقرأ هذا الكتاب إذا كنت تحب السينما المغربية لأنه سيفتح لك آفاقا لمزيد من الحب
ستصادف فيه مبدعين يعشقون ويتألمون كم تعشق وتتألم أنت .. ويترجمون عشقهم إلى نبض نراه ونسخه في أفلامهم.
هؤلاء العاشقون هم الذين سعى خالد الخضري إلى رصد إبداعاتهم عبر امتداد الخريطة العربيةوإذا كنت لا تحب السينما العربية سيدلك هذا الكتاب على أسماء لا يخطئها القلب..
سيقول لك اخرج من يأسك، ففي هذا الظلام المهيمن بؤر ضوء، ووسط هذا المدى الضيق فسحة أمل لأنها أسماء تعيد التوازن إلى النفوس التي افتقدته وتحثك على رفع بصرك إلى النصف المملوءة من الكأس، فتجعلك تتنفس الصعداء”

المشهد الثالث: داخلي / ليلا
الحكيم الضاحك
السي محمد صوف وبقناعة تامة لا مراء فيها أو مداراة، رجل حكيم بكل ما تحمل الكلمة من معنى، والحكيم ليس هو الذي يصدر الفتاوى والحكم التي تتطلب منك الرجوع إلى القواميس والنبش في المراجع لفهم معانيها، بل الحكيم هو الذي يبلغ لك الفكرة / الحكمة في كلمات مركزة مقتضبة، وبمصطلحات بسيطة جدا حين تقرأها أو تسمعها منه تقول:
– ياه كم هي بسيطة وسهلة، فكيف لم أنتبه لها ؟
فمن بساطة الصياغة اللغوية، وعمق الطرح الفكري يركب عناوين مؤلفاته التي يمتح بعضها من معين الفلسفة والبعد الإنساني الوجودي مثاله عنوان رواية: (الموت مدى الحياة) أو من معين الواقع الاجتماعي المعيش: (رحال ولد المكي) و (هنا طاح الريال) أو ببساطة (كازبلانكا) أو من معين الدين: (أبناء قابيل) و (السنوات العجاف) … كما أن بعض هذا العناوين لا يخلو كما سبق وقلت من الحيل اللفظية التي يحيل فيها العنوان إلى معنى شمولي أو أكثر من المعاني المتداولة أو المتوقعة، لكنك حين تقرأ المحتوى تجد شيئا مختلفا تماما أبرز نموذج لذلك روايته: ( يد الوزير) التي توحي للوهلة الأولى وتبعا لما هو شائع ومتوقع، أنها إما يد وساطة خير أو عمل من طرف وزير ما، أو يد ارتشاء وسلطة في الجانب السلبي إلخ… في حين أن الأمر يتعلق فقط بيد وزير تمتد إلى شابة داخل مصعد يروقه جسدها مع ما يترتب عن ذلك من تحرش جنسي وما يتلوه من ردود أفعال مختلفة .. إنها إن شئنا التعبير تكاد تقترب مما أسميه أنا ب: “التحرميات اللغوية”
وحكمة السي محمد صوف اللغوية والفكرية لا تقتصر فقط على عناوين مؤلفاته أو مضامينها ولكن حتى في خطابه اليومي الذي يرتفق الجانب الترفيهي الضاحك والمضحك رغم سوداوية بعض الأوقات التي يمر أو نمر بها جميعا فحين تسأله:
– كيداير؟
يرد:
كيف كنبان لك –
– – الله الله
– وهذه تتضمن السؤال كما الإقرار
أو حين تهم بوداعه يوصيك بأن تتهلى في راسك فقط: (بداك الشي اللي تقد عليه) مضيا:ا
!! وإلى قديتي غير على راسك ما قالها حد لحد –
خصوصا إلى كان عارفك “عنيد وراسك قاسح”
حتى وهو يهديك أحد كتبه تجد الحكمة الممزوجة بالطرافة مكانتها فمثلا حين أهداني روايته “الرهائن” كتب:
“- إلى خالد الخضري رهينة بين الرهائن –
مع محبتي “البيضاء: 2010/8/3
السي محمد حين ألجأ إليه مشتكيا بخصوص أصعب مشاكلي وورطاتي يقول لي:
– – ارخف غير ارخف على راسك، غادية تحل بوحدها وبالشكل اللي يناسبها .. بلا ما تمحن راسك وتزيد تفقس.
يعني هو بشكل أو بآخر يقول ما أورده كعنوان إحدى رواياته: “دعها تسير”
هذا لا يعني أنه متواكل ومسلم أمره كليا للقضاء والقدر، بل بالعكس السي محمد صوف ومنذ أن عرفته وأصبحت به مقتديا .. رجل عملي .. مبدع حتى النخاع .. وحركي لا يكف عن الانتاج رغم ما يجتازه من صعاب ويثقل كاهله من إكراهات
كما أنه من أحسن وأعز الناس الذين يفجرون في طاقة الضحك وموهبة إلقاء النكتة، فحين أهم بتوديعه في مجمل اتصالاتنا الهاتفية، أجدني تلقائيا أحكى له آخر نكتة أضحك لها أنا من أعماقي وقبله هو ! لأنه سميع جيد .. والنكتة وإن كانت تعتمد في درجة كبيرة منها على ملقيها وكيفية إلقائه لها، فإن جزءا كبيرا من فعاليتها في تفجير الضحك يعود للمتلقي المستمع لها .. والسي محمد صوف سميع ممتاز في بلاط الضحك.
أبقاك الله لنا حكيما ضاحكا وضاحكا حكيما يا محمد.

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Check Also
Close
Back to top button