فن وثقافة

سعيد عاهد مع ناس الملاح

طعم المربيات: طفولة يهودية في المغرب

نورس البريجة: خالد الخضري

بعيدا عن جَلَبة الإعلام أنجبت مدينة الجديدة كما إقليم دكالة ولا يزالان، عددا من المفكرين والمبدعين تتفاوت درجات شهرتهم وتداول أسمائهم بين الناس. من بين هؤلاء عينة تشتغل لا أقول في صمت، ولكن في هدوء وتروّ بعيدا عن ضوضاء الشهر وجَلبة الإعلام وإن كانوا في خضمه يجدِّفون ! هذا شأن الزميل والصديق سعيد عاهد الذي يعتمر أكثر من قبعة: الصحافة، الشعر، البحث، الترجمة… رجل ترك الوظيف ليعانق مهنة المتاعب منذ سنة 1990 حين التحق بجريدة “libération” بعدما كان متعاونا مع رديفتها “الاتحاد الاشتراكي” متحملا مسؤولية رئاسة تحريرها، كما ساهم في تحويلها من أسبوعية إلى يومية وأشرف على إصدار ملحقها الثقافي. وفي سنة 1998 عاد إلى “الاتحاد الاشتراكي” رئيسا لقسمها الاجتماعي، ثم سكرتيرا للتحرير.. وبعدها رئيسا للقسم الثقافي إلى حين إحالته على التقاعد. كما كان عضوا في هيئة تحرير مجلة “الرائـــد” وأسبوعية “النشـرة” ثم مجلة “آفـــــاق” ف “الثقافة الأخرى”… كان سعيد ولا يزال يكتب بيسر وطلاقة باللغتين العربية والفرنسية.. وبهذا المنهاج أصدر كتبا باللغة العربية: “الجريمة والعقاب في مغرب القرن السادس عشر” (2016) – “ذاكرة متشظية: نصوص مزدوجة اللسان مهداة إلى الخطيبي” (2014) – “الفتان: محكيات من سيرة الروگي بوحمارة لصحافيين وكتاب غربيين معاصرين له” (الطبعة الأولى: 2013، الطبعة الثانية مزيدة ومنقحة: 2021) – “قصة حب دكالية” (2007).وبالللغة الفرنسية صدرت له ثلاثة دواوين شعرية: «Un semblant de déraison » – « Rien… ou presque » – « Résidus d’un autoportrait »

أما على مستوى الترجمة فقد صدر له: ” طعم المربيات: طفولة يهودية في المغرب” (بول أوري أبيطبول، 2021) – “التبوريدة: فن الفروسية المغربي” (الطيب حذيفة، 2012) – “رسائل إلى شاب مغربي” (جماعي تحت إشراف عبد الله الطايع، 2010 و2011) – “خياطو السلطان” (ألبير ساسون، 2010) و”كاتارسيس” (محمد بهجاجي، 2014، من العربية إلى الفرنسية)…كما أشرف سعيد عاهد في السنة الماضية على إنجاز مؤلف خاص بالزميل والصديق الراحل عبد الحكيم عنكر تحت عنوان: “ورود بيضاء على جناحي طائر دكالة” جمع فيه باقة من الشهادات كتبها أو قيلت عن حق المرحوم حكيم الذي وافته المنية بسبب داء كورونا في دجنبر 2020.وشخصيا كان لي شرف تعاون سعيد معي في دورتين من دورات “مهرجان الأيام السينمائية لدكالة بالجديدة” بإنجازه لشهادتين أولاهما مكتوبة في حق الزميل الصحافي والكاتب الراحل الطيب حديفة خلال تكريم هذا الأخير في الدورة 3 سنة 2013. والثانية بالصوت والصورة في حق المرحوم حكيم عنكر حين تكريمه هو الآخر في الدورة 10 سنة 2021. كما إن سعيد يتابع ويحضر معظم التظاهرات الفنية والثقافية لاسيما ذات البعد الفكري التي تنظم بمدينة الجديدة ولو بغير دعوة.. وهذا هو المثقف الحقيقي الفاعل.2 – القراءة تعليم صارم وامتحان جميل:أحدث عمل ينتمي لمجال الترجمة أبدعه سعيد عاهد، ترجمته لكتاب:”Le gout des confitures” للمؤلِّف المغربي اليهودي بوب أوري أبيطبول إلى اللغة العربية تحت عنوان: “طعم المربيات: طفولة يهودية في المغرب” كتب عنه الزملاء الصحفيون والنقاد الكثير.. ويحكي بأسلوب حنيني وحميمي عن مذكرات كاتب يهودي ولد وعاش بالمغرب مدة طويلة قبل أن يهاجر إلى أمريكا. كما تحدث سعيد عن الكاتب والكتاب معا وعن كيفية إقدامه على ترجمته مقترحا الاستغناء عن بعض محكياه لكن ما أثارني شخصيا في هذه التركيبة الإبداعية واللغوية، هو طريقة كلام سعيد عن العمل “شفويا” من خلال برنامج “ناس الملاح” الذي بث مؤخرا بإذاعة “ميد راديو” من إعداد وتقديم الصديقة زهور رحيحل التي درست معي بالمعهد العالي للصحافة حيث أحرزنا معا على دبلوم دراسته العليا، ويهتم برنامجها هذا بالثقافة والمجتمع اليهوديين المغربين في شتى تجلياتهما، أنا شخصيا معجب به ومتتبع له من حين لآخر.ما راقني في حوار سعيد عاهد هو طريقة حديثه ليس فقط لغويا ولكن أيضا سمعيا: فقد كان يتكلم بهدوء وتؤدة – وهو أصلا كذلك – وازنا ألفاظه.. إنه ليس على عجلة من أمره.. وهذه الطريقة تستدرج السامع ليُبقى أذنه ملتصقة بالمذياع فتتيح له اقتناص أكبر قدر من المعلومات، إلى درجة أن معدة البرنامج اعترفت بأن الترجمة التي قام بها ضيفها لبعض فقرات الكتاب من اللغة الفرنسية إلى العربية الفصحى.. ثم من هذه إلى الدارجة المغربية الشعبية وطريقة إلقائه لها، أعذب من النص الأصلي في حد ذاته.وهذه خاصية لا يتمتع بها إلا المترجمون الأكفاء الذين يفرضون وجودهم إلى درجة قد تلغي صاحب النص الأول لولا الإشارة إليه من طرف المترجم كتابة أو قولا، وفي تاريخ الأدب العالمي هناك أعمال لم تعرف شهرتها إلا بعد ترجمتها مخلدة أسماء مترجميها قبل مؤلفيها.من أهم وأجمل ما ختم به سعيد عاهد حين سألته زهور رحيحل عن الفائدة أو الفوائد التي جناها من وراء ترجمته لهذا العمل إقراره التالي:((جنيت أو تعلمت عدة أشياء أهمها ثلاثة:                         أولا: أنني عانقت في هذا العمل طفولتي حيث عثرت على سعيد الطفل وهو يدرس، يلعب ويشاكس بسكويلة ليهود.    ثانيا: أنني أتعلم بفضل القراءةن فالقراءة المواظبة مُعلم صارم وجيد. لذا أنصح بها الشباب خصوصا القراءة للمغاربة الكبار.  ثالثا: أنني وجدت نفسي أمام امتحان من يصححه ويضع النقطة هم: “القرّاء” وهذا امتحان عسير لكنه في حد ذاته شيء رائع….))

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Check Also
Close
Back to top button