سينمافن وثقافة

قراءة في الفيلم الفائز بجائز الإخراج بمهرجان خريبكة “حدث في 2 طلعت حرب”

سيرة معيشية والتاريخ يعكس نفسه

نورس البريجة: خالد الخضري

فاز فيلم (حدث في 2 طلعت حرب) المخرج المصري مجدي أحمد علي، بجائزة أحسن إخراج (جائزة إدريسا ويادرغو) في المسابقة الرسمية للأفلام الروائية الطويلة بالدورة 22 للمهرجان الدولي للسينما الإفريقية الذي نظم منظم مؤخرا بمدينة خريبكة، وهو من بطولة الفنان الراحل مؤخرا سمير صبري إلى جانب كل من محمود قابيل، عبير صبري، سهر الصايغ وشريف حلمي (حضرا بالمهرجان)، شريف دسوقي، أحمد وفيق، المذيعة ياسمين الخطيب ثم نجل المخرج الممثل أحمد مجدي الذي هو نفسه منتج الفيلم عبر شركته “جراج”.

1 – بطولة المكان

ورد في الملخص: ((من خلال شقة تطل على ميدان التحرير ذي الدلالة الاجتماعية والسياسية، يتم استعراض أربع حكايات مختلفة لأربعة أشخاص على مدار فترات زمنية طويلة)).

  • يندرج العمل في خانة الأفلام التي تتخذ من مكان محدد، فضاء قارا لجريان الأحداث وتفاعلها عبر شخصيات وأزمنة متباينة قد تطول أو تقصر حسب الفترة التاريخية التي يغطيها الفيلم. والأمثلة كثيرة سواء في السينما العالمية أو العربية المصرية عينها. فمن أشهر الأفلام العالمية من هذا القبيل (العائلة) لإيتوري سكولا (1987)  من بطولة فاني آردان  وفيتوري غاسمان… حيث نقل تاريخ إيطاليا كله خلال 80 سنة من 1906 إلى 1986 داخل شقة لا تغادرها الكاميرا. فكانت وقائع الحروب والصراعات والمظاهرات والجنازات وأيضا الأعراس والانتصارات… تدخل كلها عبر المؤثرات الصوتية.. والحوار.. والملابس.. والسحنات.. والديكور الداخلي بأكسسواراته المتنوعة  بدء من المذياع مرورا  بالغرامافون.. والسينما..  فالتلفزيون باللونين الأبيض والأسود ثم الألوان فيما بعد… وهذا ما عايناه في شقة طلعت حرب دون أن ينتقص هذا التشابه طبعا من قيمة الفيلم المصري.
  • أما على مستوى السينما المصرية فيمكن ذكر: (القضية 68) لصلاح أبو سيف سنة 1968 وإن كانت الأحداث تجري في حارة، لكن بطل أو بطلة الفيلم عمارة سترمز في الأخير لمصر بصفة عامة. نفس الشيء يمكن قوله عن فيلم (عمارة يعقوبيان) لمروان حامد. و( شقة مصر الجديدة) لمحمد خان 2007.. وما يحيل على أن الشقة المعنية بالأمر في فيلم “حدث في 2 طلعت حرب”  هي مصر، آخر لقطة وآخر حوار حين يرمي مالك العمارة المسن سامي ( الفنان سمير صبري) بالمفاتيح لبوابها شعبان (شريف دسوقي) الذي شاخ بدوره قائلا: ” لو حد سأل، قل له أنا لا بّأجر ولا أبيع”. ثم تتوقف اللقطة على صورة ثابتة مؤطرة المفاتيح وهي معلقة في الهواء في منظر مكبر يطلع على إثره جينيريك وأغنية النهاية التي تزكي كلماتها هذا الطرح:
  • ((لك يا مصر السلاما… وسلاما يا بلادي… إن رمى الدهر سهاما…. أفتديها بفؤادي….. واسلمي في كل عيد…))

2 – أربع حكايات مع أربعة عناصر

تتوزع حكاية الفيلم عبر أربع حكايا تبدو مختلفة لكنها تشكل في مجملها وحدة متكاملة مصدرها أو ينبوعها واحد هو: الشقة / القاهرة.. حيث تولد الوقائع،  توزع المصائر وتتشابك الأقدار لتصب في الأخير في ذات المصدر. لكل حكاية تاريخ وعنصر.

–  الحكاية الأولى: 1968 “القمر”..

وتغطي فترة الناصرية وما عرفته  في مستهلها من تحرر من عهد الإقطاع ونير الاستعمار،  ثم ما شاب نفس المرحلة من مؤامرات وتجسس وخيانات بين الأصدقاء خوفا على المصالح والأرواح.. ولعل “القمر” وهو بدر يلمع فوق “مجمع التحرير” يرمز لمرحلة التطلع لمستقبل أنقى وأشد جلوا من عصر ما قبل الثورة، سانده الصوت الذي وحد العرب فنيا “أم كلثوم” وهي تردد رائعة (الأطلال).. إلى جانب جمال عبد الناصر الذي كان ينظر إليه كزعيم عربي وحّد بدوره أبناء الضاد بشكل أو بآخر. فتنتهي المرحلة بقتل /تصفية معارض وإجبار طبيب نفساني على توقيع شهادة بأنه مات منتحرا، مثلما نسب للمشير عبد الحكيم عامر، صديق جمال الحميم وساعده الأيمن، بأنه انتحر؟

يمكن اعتبار “مجمع التحرير” كفضاء إضافي، بطلا ثانيا أو موازيا للبطل الأول: الشقة. ففي ساحته الشهيرة انطلق معظم المظاهرات التي شهدتها مصر على مدى العصور.. وفيها نظمت الاحتفالات الوطنية.. وتم تشييع جنازات أهم شخصيات مصر السياسية، الفنية والفكرية والاجتماعية: جمال عبد الناصر، أنور السادات، أم كلثوم، عبد الحليم حافظ،  يحيى حقي،  نجيب محفوظ، كرم مطاوع (*)…. كما صور فيه عدد من الأفلام أشهرها (الإرهاب والكباب) لشريف عرفة بطولة عادل إمام ويسرا، والذي قال فيه وزير الداخلية كمال الشناوي: “مجمع التحرير هذا هو قلب مصر ، فهو يحوي الحكومة بحالها” فاختيار مجدي لهذا الفضاء الموازي منح الفيلم جرعة واقعية خدمت طرحه الفكري.

  • – الحكاية الثانية: “الشمس” القاهرة 1977..
  • ينتقل فيها الفيلم مباشرة من الأبيض والأسود إلى الألوان مع فترة حكم السادات ومرحلة الانفتاح التي تستهل بعلامات مواد تجارية أمريكية غزت السوق المصرية كسجائر المالبورو  وسراويل الدجين وألبسة الرجال والنساء الضيقة وطريقة قص الشعر والذقن وتداخل الإديولوجيات بين الرأسمالية والشيوعية والدينية (الدكتور مصطفى محمود ،الشيخ الشعراوي…)    كما نوعية الموسيقى والرقص، حيث تنتهي هذه الحكاية بدورها بالموت مع استشهاد الشاب اللبناني نديم حبيب بائعة السندويتشات لوزة (سهر الصايغ)  تاركا في عنقها شالا فلسطينيا لذكرى حب مغتال بسبب الحرب اللبنانية الأهلية الدائرة هناك. وكسر الصحن في متم رقصة “زوربا اليوناني” وهو كسر معنوي لطموح الشباب المصري في تلك المرحلة التي لم تأت فيها “شمس الانفتاح” بما كان يتوخى منها…
  • – الحكاية الثالثة: الدخان – القاهرة 2004..
  • وتفتح بمطربة تركب دراجة نارية داخل استوديو في إطار كليب غنائي وما يتراقص فيه من أضواء وألوان، إحالة على تفشي الذوق الموسيقي وتردي الأغنية المصرية حيث أصبح من لا صوت له مطربا ومن لا قوام له راقصا  حتى “البلدياتي الذي كان يغني في الأفراح” غدا فنانا مشهورا… فكان لزاما على المطرب الشاب صلاح (محمد عادل) أن يدخل المعمعة تحت إلحاح المحامي الوصولي ومدير أعمال  رجل ثري (محمود قابيل)  المالك لرأس المال والمتآمر مع السلطة في مرحلة حكم حسني مبارك. إلى جانبه أو مقابله  امرأة متعطشة إلى المال والحب في نفس الوقت (عبير صبري) فتفقدهما معا لتُجبر على الزواج من رجل الأعمال والمال تحت طائلة القتل/ الموت مرة أخرى.  بينما يُدس بقسيمة حشيش في بيت المطرب صلاح ويتم اعتقاله. وفي النهاية تتبخر أحلام الفن والحب ويختفي المحامي (شريف حلمي) تاركا خلفه بمدخل العمارة لافتة تعلن ترشحه في الانتخابات…؟
  • في نفس المرحلة بدأ التيار الإسلاموي يغشى فئة كبيرة من الشباب لا سيما الأميون وضمنهم شعبان الصغير ابن البواب الذي لم يجب ولا مرة واحدة عن سؤال: “انت ليه تربي ذقنك؟”.. كما بدأت فرجة و(ثقافة) كرة القدم الأوربية تغزو المقاهي وشاشات التلفزيون المسطحة في البيوت والمقاهي،  فاختلط الحابل بالنابل وعتمت الرؤية وعم “الدخان”.
  • ورغم ذلك لمعت إشراقات فنية لا سيما في حقل الرواية والسينما جسده ملصق فيلم: (بحب السينما) لأسامة فوزي الذي كان معلقا في باب العمارة حيث كانت الكاميرا تعرج عليه و”بتأن” سواء وهي تلج إلى الداخل العمارة أو تغادرها. وهذا في حد ذاته تكريم من أحمد مجدي لزميله أسامة ثم لما سمي آنئذ بسينما المثقف التي ازدهرت في فترة التسعينيات على يد أسماء مثل المرحومين: رأفت الميهي، رضوان الكاشف، محمد خان.. ثم أسامة فوزي هذا، خيري بشارة، داود عبد السيد، وأيضا مجدي أحمد علي في أول أفلامه (يا دنيا يا غرامي) 1996…
  • الحكاية الرابعة: القاهرة “التراب” 2012..
  • بعد القمر الذي خسف نوره.. والشمس التي أحرق شواظ انفتاحُها الأخضرَ واليابس.. فعم الدخان وحلت العتمة.. لم يتبق سوى الرماد وتراب الانكسار، تبدأ الحكاية الأخيرة التي تزامنت مع مرحلة الربيع العربي، بتنحي حسني مبارك إثر ثورة 25 يناير.. وتولي الإخوان المسلمين مقاليد الحكم تحت قيادة محمد مرسي. لكن طين مصر المبلل سابقا بتساقطات إيديلوجية اختلط فيه السياسي بالثقافي والاجتماعي كما الاقتصادي، لم يزدد إلا بللا، حيث تضاعفت “موضة” المظاهرات أمام شقة طلعت حرب ومجمع التحرير بمناسبة وبدونها ولحد القرف.. وسقط شهداء من المدنيين بالدرجة الأولى بينهم أطفال أبرياء (موت ذلك الطفل الجميل بالشقة إثر إصابته في الميدان) بينما علب الأدوية ملقاة بفوضى في خيام على الإسفلت غير بعيد عن النفايات ، إلى درجة أن مالك العمارة سامي لم يكن يطيق أن يطل على الساحة من الشرفة ولا من النوافذ.. فكان دائما يولي الميدان بظهره مكتفيا بخدمة الصحفيين الذين تقاطروا على شقته فوظفوها كزاوية تصوير مثالية لنقل الأحداث. وهذا في حد ذاته – بعد تكريم السينما – تكريم جميل للإعلام وخدمته بشتى منابره وعناصره وتوجهاته.

بفضل هذه الخدمة “السامية”  للصحفيين والمصابين، وبإعلانه عن عزمه للذهاب لإحضار زوجته وأولاده من خارج مصر للعيش ببلدهم وشقتهم ، وإقراره بأنه لن يبيع  ولن يؤجر الشقة، استحق الأستاذ “سامي” اسمه عن جدارة، فهو أولا سام بموقعه الاستراتيجي حيث كان يقطن بأعلى شقة في العمارة.. ثم بفكره، روحه، سلوكه وحبه لبلده. وبرأيي أن اختيار مجدي أحمد علي للمرحوم سمير صبري في هذا الدور السامي كان جد صائب.. فشخْص هذا الممثل وحده بعطائه الطويل وربيرتواره الغني والمتنوع، يثير التعاطف والاحترام.. فجاء الدور في حد ذاته  توثيقا حيا لسمير صبري و”تكريما” مناسبا يستحقه.. وكان هذا مسك ختام أدواره حيث توفي رحمه الله بعد أسبوع من نهاية تصوير الفيلم.

3 – المخرج ابن بيئته والتاريخ يعكس نفسه

إذا كان يوسف شاهين قد أرّخ لمصر سينمائيا من خلال سيرته الذاتية عبر رباعيته الشهيرة: (إسكندرية ليه؟) 1979–  (حدوثة مصرية)  1982 – (إسكندرية كمان وكمان) 1992– (إسكندرية نيويورك) 2004، مخرجا وممثلا في هذه الأفلام، فمجدي أحمد علي أرّخ بدوره لمصر عبر سيرته المعيشية  في  فيلم (حدث في 2 طلعت حرب) مخرجا دون تمثيل.. لأن مجموع الأحداث التي شاهدناها فيه والتي نافت عن نصف قرن عاشها هو نفسه بحكم أنه ولد مع مطلع ثورة  يوليوز 52 (هو من مواليد 26 غشت 1952).. فكبر معه الحلم الناصري، تجرع بعده انتكاسة حرب 67.. كما انتشى بانتصار 73.. ليذوق من بعد مرارة ذهاب السادات للقدس واتفاقية كامب ديفد.. وصولا إلى ثورة 25 يناير، مع مفارقة تشابه الرقمين 52 و25 وكأن التاريخ يعكس نفسه.. علما بأن مجدي أحمد ذاته قدم  خلال ثورة 25 يناير استقالته  من منصبه كأحد أعضاء مجلس إدارة المركز القومي للسينما التابع لوزارة الثقافة احتجاجا على الأحداث التي شهدها ميدان التحرير. وقد ظهر هذا الموقف جليا بالفيلم في المشاهد واللقطات المُربكة الخاصة بهذا الميدان وما حملت من نفايات.. وأدوية مبعثر ة.. وفوضى عارمة أدت إلى استشهاد ذلك الصبي كما مر معنا .

فهذه أحداث عايناها كلها في الفيلم سواء عبر المحكي المتخيل أو الموثق،  لما حبل به من وثائق حقيقية مكتوبة وسمعية بصرية، دون نسيان بقية الآليات الفنية والتقنية التي وظفها مجدي على رأسها سيناريو محكم لهانزادة فكري يعود تاريخ اطلاع المخرج عليه إلى 20 سنة خلت حيث كان من المفروض أن يخرجه زميله الراحل ٍرأفت الميهي حسبما كُتب في الصحافة المصرية.. كاستينغ متكامل، مقنع ومنتقى بحِرفية…

  • ****************************************************************

(*) للشهادة: أذكر أنني حضرت في ساحة التحرير، تشييع جنازة الفنان كرم مطاوع حين كنت مدعوا لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته 40 سنة 1996. فلما اقتربت من مسجد عمر مكرم حيث أقيمت صلاة الجنازة وخرج النعش،  علا التكبير والنحيب والعويل وتدافع القوم رجالا ونساء وكأنه يوم الحشر.. فارتفعت قدماي من الأرض.. وسرت، أو بالأحرى سير بي وسط الحشود لمسافة ومدة زمنية  غير يسيرتين، قبل أن أتشبت بعمود لست أدري لم كان يصلح؟ وأبقى هناك فترة حتى خف التيار….

Related Articles

2 Comments

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Back to top button