مجتمع

المشهد 5: حمّام الخيل والبشر بمولاي عبد الله

الخيل في نواصيها الخير"  

نورس البريجة: خالد الخضري

1مْݣابل البحر ليرحل

من أجمل اللحظات التي يحلو لي الاستمتاع بها في موسم مولاي عبد الله اثنتان: أولاهما قُبَيْل الغروب وتتمثل في الجلوس أمام البحر والترنم بهدير أمواجه باختلاف مقاماتها ودرجاتها مدا وجزرا، حيث أتربع على الشاطئ و”أقابل البحر ليرحل” بعيدا عن سائر أنواع الضجيج والهرج. وقد تستمر هذه الجلسة إلى ما بعد منتصف الليل على حافة الماء وتحت ضوء القمر، حيث لا يشنف سمعك إلا هسيس البحر في مده وزجره.

أما الثانية فأحققها في الصباح  قبل أن يستيقظ الزوار سواء المقيمون بأديمه في خيامهم أو الوافدون عليه فيمتلئ بهم الشاطئ عن آخره، إذ أنسحب بهدوء من الخيمة لأشاطر الخيل حمامها الصباحي. ففرس التبوريدة عادة ما يستحم مرتين في اليوم أولاهما في الصباح كي ينتعش ويصبح جاهزا لولوج ملعب الفروسية (المَحْرَك) أو (المَجْبد). وثانيتهما في المساء لكي يستريح من عناء يوم حافل بالركض خلال ممارسة لعبة الفروسية.

2 – “الخيل في نواصيها الخير”

بمجرد ترجل الفارس من صهوة فرسه مساء، يسلم اللجام لأحد أتباعه، والذي يكون غالبا طفلا مراهقا أو شابا يافعا، إذ لاحظت أن النسبة الساحقة من الحوذيين ومساعدي الفرسان في الاعتناء بالخيول وتجهيزها وخصوصا تحميمها، هم أطفال وشباب مراهقون ما بين 14 و24 سنة، حيث يسوق الحوذي الفرس إلى البحر ليأخذ هذا الأخير حمّاما مزدوجا:

الحمّام الأول: على الرمل بتمرغه عليه بضع ثوان ويسمي الحوذيون حمام الرمل هذا ب “التمريغة”، فيقود الحوذي الفرس جاذبا رسنه إلى الأسفل حتى يكاد رأسه يلامس الرمل لينبطح هذا الأخير على بطنه ثم يشرع في التمرغ  محركا قوائمه. وإذا لم يستجب الحصان لجرة اللجام، فإن الحوذي يحمل حفنة رمل يرمي بها على جسده ليتذوق هذا الأخير لذة احتكاكه فيشرع مباشرة في التمرغ

الحمام الثاني: في الماء الذي ينساق إليه الحصان بليونة، وحين ترتفع قوائمه عن الأرض يشرع في تحريكها لكي يطفو مثله مثل بقية الحيوانات التي تجيد السباحة. وبهذا يستريح الفرس كما يستعيد نشاطه وحيويته استعدادا لتبوريدة مقبلة. كما إن هناك بعض الحوذيين والفرسان الذين يفضلون تحميم أو غسل خيولهم بالماء العذب إما من سقاية من سواقي مولاي عبد الله الع


مومية أو بواسطة أرطال ماء، دعواهم في ذلك أن ماء البحر المالح يؤذي الفرس ويجعل سرجه تنزلق من فوق ظهره حين تتعرق بفعل الركض وحرا ة الجو مع حمل الفارس. إلا أنهم قلة، فالأغلبية الساحقة من الفرسان يفضلون منح خيولهم حمامها الصباحي في البحر لأن ماءه المالح حسب رأيهم يطهر أبدانها من التقرحات والدمامل وحتى الجروح التي قد تصيبها قبل وخلال ممارسة لعبة الفروسية.

والجميل في هذا المشهد أن الجميع يسبح جنبا إلى جنب: الخيل والبشر من أعمار متباينة ومن كلا الجنسين دون أن يزعج أحدهما الآخر. فالكل يحب الماء. والكل يسبح فيه صحبة الآخر. والفرس في حد ذاته حيوان جميل، نظيف وجد لطيف، لذا صدق الرسول الكريم (ص) حين قال:”إن الخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الخَيْرُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ”

“.

 

 

 

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Back to top button