
نورس البريجة: خالد الخضري

1 – وثيقة موثّقة
قام الأستاذ زهير بن أحمد بن الهادي الأمغاري بدراسة وتحقيق كتاب “بهجة الناظرين وأنس الحاضرين في مناقب رجال أمغار الصالحين” لمحمد بن عبد الله العظيم الأزموري، ونشر هذا في مؤلَّف من الحجم الكبير (17/24 سم – 311 صفحة) معززا بعدد من الصور بالأبيض والأسود والخرائط والكروكيات والبيانات كما الظهائر والمراسلات السلطانية المغربية زائد ملحق خاص بالمراجع، مما جعل الكتاب وثيقة موثَّقة (بفتح الثاء المعجمة وموثِّقة بكسرها) للكتاب قيمته التوثيقية المعتمدة على السند والبينة، فجاء السِّفر الثاني – أقصد الدراسة والتحقيق – مرجعا توثيقيا لمرجع تاريخي خُصص برمته لآل أو أسرة الأمغاريين، نزلاء وقاطني مدينة “تيط نفطر” الواقعة على بعد عشر كيلومترات للساحل البحري جنوب مدينة الجديدة، حيث ينعقد سنويا أكبر وأشهر موسم شعبي مغربي “مولاي عبد الله”.
والواقع أن الباحث أو الدارس ليجد نفسه في حيرة، هل يتحدث عن الكتاب الأول للأزموري أم عن الثاني للأمغاري؟ ولندع هذا الأخير عينه يقدم أو يعرّف بالكتاب الأول “بهجة الناظرين” قائلا في ظهر الغلاف الأخير لمؤلَّفه:
((مصدر لا بد منه لدراسة تاريخ التصوّف في المغرب وتتبع التسلسل الزمني لظهور المشيخة الصوفية والولاية التي ظهرت من دكالة أرض الأولياء ومنبع التصوف بلا منازع قبل انتشارها إلى باقي البلاد، انطلاقا من رباط عين الفطر / تيطن فطر منتصف القرن الرابع هجريًا (العاشر ميلادي) على يد مؤسّسه الشيخ إسماعيل بن سعيد الملقب ب”أمغار” من طرف أصهاره الجداليين. واستمرارها عبر العصور بفضل ذريته الأمغارية، وعلى يد مريديهم وأصحابهم كأبي شعيب السارية وأبي يعزى وأبي مدين الغوث. هذا الكتاب هو رسالة في شيوخ عين الفطر الأمغاريين رؤوس السند الصوفي المغربي مع ذكر كراماتهم ومناقبهم ونسبهم وذكر علاقاتهم بالسلطات المتعاقبة في المغرب من بني يفرن والمرابطين والموحدين إلى المرينيين…)).
2 – دكالة، منبع التصوف المغربي

يُعرِّف الباحث المحقق في مدخل كتابه، بأهمية كتاب الأزموري كأشهر المصنفات التي اعتنت بنسب الأمغاريين معتبرا إياه معلمة رائدة في حقل الأنساب والتاريخ المغربي عموما والدكالي والصوفي خصوصا، إذ لا غنى عنه لمن أراد سبر أغوار تاريخ المنطقة التي منها انطلق التصوف المغربي (ص:3) في هذا السياق ومن باب البرهنة والإثبات يحيل في الهامش على مقالة للأستاذ عبد القادر العافية نشرت بمجلة “دعوة الحق” حين أقر:”إن البحث ليقف مندهشا إزاء النزعة الروحية التي التمست بها منطقة دكالة بالمغرب الأقصى عبر تاريخها الطويل، بحيث يمكن القول إن إقليم دكالة يعد من أغنى الأقاليم المغربية في المجال الروحي”.
بعد تقديم مسهب للكتاب ينتقل المحقق إلى التعريف بصاحبه محمد بن عبد العظيم الأمزوري، بموطنه وزمان عيشه، فيكتب أنه: “الفقيه العلامة العارف بالله محمد ابن عبد العظيم الأمزوري وأحيانا يلقب بالزموري نسبة إلى مدينة آزمور الواقعة بالضفة اليسرى من مصب أم الربيع. وهو من أعلام القرن الثامن الهجري (14 ميلادي) مضيفا أنه لا يعلم عنه شيئا سوى كونه ألف كتاب “بهجة الناظرين وأنس الحاضرين لذكر مناقب الأمغاريين ذرية الشيخ اسماعيل بن سعيد” (ص:4) كما نعرف أنه عاش في عهد السلطان الحادي عشر في الدولة المرينية أبوعنان فارس المريني (1329ه / 1358م). والمجمع عليه أن الأزموري عاش ودفن بمدينة آزمور وكان له ضريح معروف إلا أنه تمت إزالته للأسف وكانت شخصيته معروفة على الأقل بهذه المدينة”.
كما يؤكد أن المؤلِّف ينتمي إلى أسرة عريقة في العلم ويقال له الأزموري الأصغر أو الصغير لتمييزه عن الزموري الأكبر، ذاكرا بعض الشخصيات الوازنة التي ينتسب إليها وتنتسب إليه كالقاضي محمد بن عبد العزيز بن عبد العظيم.
3 – رجل ظاهرة
بعد التقديم الذي أورده الباحث في ظهر كتابه عن الكتاب موضوع الدراسة والتحقيق، سيسهب بدءا من الصفحة التاسعة في تعريفه مبتدئا بالعنوان، حيث وجد للكتاب عدة عناوين لكن أشهرها والذي يكاد يجمع عليه الباحثون والدارسون هو: “بهجة الناظرين وأنس الحاضرين في مناقب رجال أمغار الصالحين” بعدما عرف أيضا ب “بهجة الناظرين للزموري” وورد كذلك في بعض النسخ باسم “الأخبار في كرامات الشرفاء بني أمغار”. كما يتحدث الباحث عن أسلوب الأزموري الذي يراه “متماشيا ومتوافقا مع أسلوب عصره ومن سبقه من مؤلفي كتب المناقب التي ذكرنا، لكنه يختلف عنهم باعتباره أول تصنيف يخص أسرة مغربية بعينها” (ص: 10)
عبر سهل ممتنع وبتفصيل سلس، يسهب زهير في طرح أقسام “بهجة الناظرين” الذي وزعه الأزموري نفسه على عدة فصول منها التعريف الجغرافي والاجتماعي لمنطقة الأمغاريين (مولاي عبد الله) رباط تيط نفظر أو عين الفطر، ثم شرح مصطلح “رباط” لغويا، اجتماعيا، سياسيا ودينيا، مُرجعا تسمية المنطقة إلى عين “تيط” وهي لفظة أمازيغية و “فطر” معناها الطعام، فأصبح الاسم حين تحويلها للعربية “عين الفطر” ولا تزال تنبع وتتدفق حتى الآن وسط صخر البحر ماء زلالا، غير بعيد عن ملعب الفروسية “مَحْرَك الخيل” ولا زال الناس يستقون منها ويستحمون فيها في حالة الجزر.
كما يُعرّف الأزموري بنسب الأمغاريين الأصلي المنتهي إلى آل البيت رضي الله عنهم، مركزا على أولهم الذي وطئت قدماه عين الفطر في منتصف القرن الرابع هجري (10 ميلادي) وهو الشيخ اسماعيل بن سعيد الأمغاري الذي يوجد ضريحه قرب ضريح “مولاي عبد الله”. والاسم الحقيقي لهذا الأخير هو محمد أبو عبد الله ابن الشيخ أبي جعفر إسحاق المدفون خلف ضريح ابنه محمد حين كانت الأقوام تكنى بأبنائها (أبو عبد الله، أبو محمد، أبو يعقوب إلخ…).
ثم يُعرّف تعريفا وافيا بأبناء مولاي عبد الله أو بالأحرى محمد أبو عبد الله، وعددهم سبعة لقبوا ب “البدلاء” فكانوا كلهم رجال فلاح، تقوى ودين، وهم على التوالي من كبيرهم إلى صغيرهم: ميمون – أبو عبد الخالق وهو جد أبي زيد الموجود ضريحه على البحر في اتجاه الجديدة من مولاي عبد الله، على بعد حوالي أربع كيلومترات والمعروف ب “سيدي بوزيد” – عبد الله، ويوجد قبره خلف ضريح والده أي ضريح الأب محمد “مولاي عبد الله” – عبد النور – عبد الحي – عبد السلام العابد – أبو يعقوب الذي يوجد ضريحه قبره غير بعيد عن ضريح والده جهة البحر قرب دائرة موسم مولاي وغير بعيد أيضا عن عين الماء المذكورة “نفطر” وهو المعروف ب “مولاي يعقوب”.
بعد ذلك يسهب الأزموري في التعريف بهذا الرجل الاستثنائي إن لم أقل الظاهرة محمد أبو عبد الله والمعروف حاليا ب”مولاي عبد الله” سواء في علاقته بخالقه بما عرف عنه من تصوف، نسك وعبادة ولا تزال حتى الآن خلوته وهي حفرة تحت أرضية – كان يختلي فيها جده اسماعيل – قائمة مضاءة بالشموع خلف قبر ابنه عبد الله ووالديه إسحاق وحواء، أو في علاقته بالخَلق والعباد بمن فيهم الملوك.
فالرجل من شدة ورعه واعتكافه على النسك والعبادة، لم يمتثل لدعوة أمير المؤمنين آنذاك علي بن يوسف بن تاشفين، حين دعا هذا الأخير إلى اجتماع صلحاء المغرب عنده بمراكش، فحضروا كلهم إلا “الشيخ القطب أبو عبد الله الشريف أمغار، لاشتغاله عن نفسه وعن كل شيء سوى الله تعالى، فقال الملك: الآن حصل مرادي بأن عرفت من انسلخ من نفسه انسلاخ الحية من قشرها، ولم تكن همته إلا مع الله تعالى، من الذين كانت الآخرة بين أعينهم، لو قيل لهم إن القيامة غدا ما زادوا على ما هم فيه من العبادة….. ألا فاعلموا أن الشيخ أمغار هو شيخ كل من وصل ولم يصل من معاصريه، وشيخ المشاييخ من الإسكندرية إلى سوس الأقصى، لأنه قدوة الأولياء، وعمدة الأصفياء، نفعنا الله ببركاته. وقال جماعة من الشيوخ رضي الله عنهم لو لم يدرك في المغرب سوى شيخ المشايخ أبي عبد الله أمغار، لكفى أهل المغرب به شرفًا، فكيف وعين الفطر تحوز فضائل الأقطاب من آبائه وأجداده، والبدلاء أحبابه وأحفاده؟ فكفاهم والله شرفا وحظوة ومجدا، بمن كان له النبي صلى الله عليه وسلّم جَدّا”- (ص: 108/109).
4 – ملك يستشير فقيها
فمن هذه الواقعة الفريدة التي لا يستجيب فيها مواطن لأمر ملك البلاد – مهما تكن مكانته وصفته – والتي لو قام بها غيره لربما اعتبرت عصيانا فأمر بقطع رأسه، يُيمِّم شطر علاقته ببقية الخلق من الأتباع والمريدين وطُلاب العلم المرابطين بزاويته. بل إن هذا السلطان ذاته – علي بن يوسف – لجأ إليه طالبا النصح والدعاء والمال أيضا لبناء سور مدينة مراكش. وقبل أن يفعل استشار عددا من الفقهاء والعلماء والقضاة في مسألة بناء السور الذي لازال قائما حتى الآن لمواجهة هجومات الموحدين، فتناه الجميع عن مشروعه هذا نظرا لغلاء تكلفته وهزال ميزانية الدولة.
ومن أشهر العلماء والفقهاء الذين استشارهم الأمير علي في قضية بناء السور المذكور، العلّامة الفيلسوف والطبيب الأندلسي الإمام أبو الوليد بن رشد، فأشار عليه هذا الأخير بمكاتبة ((الشيخ الفقيه الشريف الولي القدوة الناسك أبي البدلاء أبي عبد الله أمغار، مستشيرا له في ذلك وملتمسا منه صالح الدعاء أن يوفقه الله تعالى ويعينه، وسأله أن يبعث له شيئًا من ماله الحلال الخالص المحض، فأشار ببنيانه ودعا له، وبعث له بشيء من ماله الحلال الخالص المحض… ثم شرع الملك في بنيان السور وذلك سنة 522 هـ (1128م)، فأعانه الله عليه وسهّل عليه الإنفاق حتى أتمه ببركة دعوة الشيخ أبي عبد الله نفعنا الله ببركته)) (ص: 106).
وهكذا ومن باب مقارنة لا تخلو من طرافة، يتبين أن الولي الصالح محمد أبو عبد الله / “مولاي عبد الله” كان رجلا ميسورا حتى يمد ملكا من ماله الخاص، ولا ضير في أن يكون كذلك، فقد كان يدير ويموّل واحدة من أكبر المدارس بل الجامعات المغربية بعد جامعة القرويين، الفرق بينهما أن جامعته كانت بالبادية “رباط” بينما جامعة فاطمة الفهرية بالمدينة “فاس”. وكان طلاب العلم لديه الوافدون من شتى أنحاء المغرب يقيمون فيها، ينامون، يتغذون، يستقون، ويتعلمون بالمجان، وكل ذلك على حساب مديرها وممولها. فلا عجب –ومن باب هذه المقارنة – متى ورثث هذا الثراء المادي جماعته من بعد، وأقصد “جماعة مولاي عبد الله” الحالية لتكون أغنى جماعة بالمغرب. لكن ماذا أو كم ورثت من ثرائه المعنوي ومن علمه، ورعه وصلاحه؟؟
في الصفحة 108 يورد زهير الأمغاري – نقلا عن الأزموري طبعا – نص رسالة أمير المؤمنين علي بن يوسف لمحمد أبي عبد الله أمغار، والتي خلع فيها الملك عليه رداء من بهي النعوت ومليح الصفات حيث كتب:
((من أمير المسلمين وناصر الدين علي بن يوسف بن تاشفين، إلى أبي عبد الله محمد بن الشيخ الشريف أمغار وليه في الله، أكرمك الله بتقواه… وقد علمنا ما أنت عليه من الخير والدين والجد في أحوالك على النهج الصالح المستبين، فاعتقدناك في الأولياء، ورتّبناك في أهل الذكاء، وخاطبناك نادين لك إلى اختصاصنا بخالص الدعاء، فاقسم لنا في ذلك حظا من ابتهالك في الأوقات المرجوة، واعتمد فيه رسم المواظبة والصفاء، والله سبحانه يجعلنا ممن ألهم لما يرضاه، واستعمل فيما يوجب زلفاه ورحماه، بقدرته لا إله إلا سواه، وتبلغ سلامًا جزيلا كثيرًا لأهل حزبك، وأهل بيتك الشرفاء الفضلاء، ورحمة الله تعالى وبركاته)).
4 – بركات وكرامات
أما حين يسرد نتفا من كرامات الأمغاريين بدءا من الجد إسماعيل مرورا بابنه إسحاق فحفيده محمد أبو عبد الله، حتى بعض أبناء هذا الأخير (البدلاء) وحفدته والتي يدخل عدد منها في باب المعجزات والخوارق التي يصعب على العقل تصديقها فحدث ولا حرج، منها مثلا مشي إسماعيل فوق ماء البحر دون أن يغرق وترويضه للسباع والضباع الذين كانوا منتشرين بذلك الغيض، كما كان يحدث مع سيدي “أبو الليوث” الذي كانت تتبعه السباع من منطقة عين السبع حتى عين الذئاب حاليا بالدار البيضاء دون أن تؤذيه. هو الذي يوجد ضريحه قرب محطة القطار الميناء ومعروف ب “سيدي بليوط” الذي ما هو إلا تحريف “لأبي الليوث” واسمه الحقيقي: أبو حفص عمر بن هارون المديوني توفي عام 595ه / 1119 م).
لكن قطب المعجزات وعميد الكرامات والتي يشذ كثير منها عن سياق الخوارق ليتحول إلى نفع واقعي ومادي خاص وعام، كان هو الشيخ الولي الصالح محمد أبو عبد الله الأمغاري، يكفي دليلا دعمه لملك المغرب ماديا ودعاءه له كما سبق ذكره. ولعل موسمه الشعبي الحالي “مولاي عبد الله” الذي لا يوجد له مثيل لا بالمغرب فحسب، بل في العالم العربي والإسلامي والغربي كأكبر تجمع جماهيري مدني، حيث يتساكن الناس بدوا وحضرا، أميون، متعلمون، مشعوذون، فقهاء، تجار، سائحون، نشالون، خيل وفرسان، ولمدة لا تقل عن 15 يوما. فلعل كل هذا امتداد لبركاته وكراماته (تجاوز عدد الخيام المنصوبة بالموسم 3 ملاين خيمة سنة 2025، تضم كل خيمة على الأقل أربعة أشخاص. أما عدد “سربات” أو”علْفات” الخيل فقد وصل 122 سربة ضمنها ثلاثة نسوية ليصل مجموع الفرسان حوالي 2056). الشيء الذي يجعل من هذا الوسم ذاته بهجة للناظرين له وأنسا للحاضرين فيه.
يجب فقط على الساهرين والمسؤولين على إدارة وتنظيم هذا الموسم الظاهرة مثل صاحبه الحامل لاسمه “مولاي عبد الله”، أن يدركوا عمقه الروحي بوعي وإخلاص لرجل بركات وكرامات زيادة على كونه كان عالما، فقيها مدرسا وشارحا لأمور الدنيا والدين، ومؤسسا لأول وأكبر رباط علمي بالمغرب.

كما أسهب الأزموري في ذكر العلاقة التي كانت قائمة بين محمد أبو عبد الله وبين تلميذه أبي شعيب السارية دفين أزمور (مولاي بوشعيب مول الرّاگوبة لأنه يرقب “يرگّب” من فوق ربوة) رغم أن هذا الأخير كان يكبر الأول – الشيخ الأمغاري – بأكثر من 20 سنة، وهو الذي سعى إلى تزويجه من زوجته حواء المدفونة جنبه في ضريحه الحالي. وكيف نجّا أبو عبد الله أبا شعيب من سطو لص ذات ليلة جنب البحر حين وقف أبو شعيب السّارية يصلي – ومنها جاء لقبه هذا حيث عُرف عنه أنه كان يقوم الليل كله يصلي كالسارية – واللص يتحين فرصة الانقضاض عليه، فكلما دنا منه تباعدت المسافة بينهما عبر صخر وماء. وهكذا مكث اللص يقترب وأبو شعيب يبتعد حتى الفجر، فانصرف الأول خائبا ومتعجبا في نفس الوقت، ولم يكن مولاي بوشعيب مشمولا إلا بدعوات الشيخ أبي البدلاء أبا عبد الله محمد الشريف أمغار.
5 – أفلام في كتاب
ختاما وليس ختما، الكتابان معا “بهجة الناظرين وأنس الحاضرين للآزموري” و”دراسة وتحقيق” لزهير بن أحمد الأمغاري” يُعدان تحفتين ومرجعين قيمين ليس فقط لأسرة آل أمغار في رباط تيط – مولاي عبد الله بإقليم الجديدة حاليا – بل في تاريخ التصوف وطلب العلم والكرامات في دكالة والمغرب قاطبة، وكل فصل منه صالح ليغدو فيلما سينمائيا لما يتوفر عليه من مشاهد أغلبها في ديكورات خارجية طبيعية بالبادية بما فيها من مراعي وأحواش ومدارس قرآنية وأحراش، فمنطقة “تيط نفطر” برمتها كانت في تلك الآونة كما أورد الأزموري: “غيضا لا عمران فيه وأنه كان مغطى بالأشجار الغابوية”.
كما يحبل الكتاب بشخوص إيجابية – أبطال حقيقيون وليسوا من صنيع خيال- أحداث حركية مفعمة بالتشويق وجودة الربط والحياكة، ومعزز بباقة من الحوارات المدججة بحِكم، أمثال، أشعار، أزجال، آيات قرآنية، أحاديث نبوية وأقوال فقهاء، منها ما يشكل سندا ومرجعا تأكيديا لما يُحكي ويقال أو يقع ويُشاهَد، ومنها ما يطرّز الفيلم، متى تم على يد مخرج قريِّئ، كفء، متضلع في اللغة العربية ومتذوق للأدب عربي الأصيل وللحوار الصوفي العذب، مثلما حصل مع فيلم (طوق الحمامة المفقود) المأخوذ عن كتاب ابن حزم الأندلسي، أنجزه المخرج التونسي ناصر خمير سنة 1990 فجاء مفعما بالجمالية التعبيرية اللغوية والتصويرية التشكيلية – المخرج أصلا فنان تشكيلي وخطاط – مما جعل الفيلم برمته يرفل في حلة حوارية رائقة باللغة العربية الفصحى، كما أنجز له نسخة باللغة الفرنسية لا تقل جودة ورونقا عن نظيرتها العربية، وقد اختير من ضمن قائمة أفضل 100 فيلم عربي في القرن العشرين.
ودون أن أسأل هل لدينا مخرج مغربي يمكن أن يحذو حذو زميله التونسي بخصوص الكتاب موضوع قراءتنا، أجيب جوابا قاطعا بالنفي:
- للأسف: لا.
فأقرأوا إذن كتاب: (دراسة وتحقيق “بهجة الناظرين وأنس الحاضرين في مناقب رجال أمغار الصالحين”)
تشاهدون عدة أفلام.




