
نورس البريجة: خالد الخضري
عُرض في المسابقة الكبرى للأفلام الروائية الطويلة بالدورة 19 للمهرجان الدولي لفيلم المرأة بسلا، فيلم “ستاند آب” للمخرج الهولندي ماري ساندرز، وهو ذو إنتاج مشترك بين هولندا واليونان. ورد بملخصه:
((في سن الثالثة والعشرين تعيش فييرّا حياة بلا قيود بين السهر مع أصدقائها والحلم بالسفر بمفردها. لكن حادثاً يغير حياتها، فتفقد أحد أطرافها لتجد نفسها على كرسي متحرك، مما يقلب علاقتها بجسدها وحياتها السابقة. في مركز لإعادة التأهيل، تلتقي “زاندر” البالغ من العمر 22 سنة. والذي يستخدم كرسيا متحركا منذ ولادته ويحلم بأن يصبح فناناً في كوميديا الارتجال. من خلاله ومن خلال أصدقائه، تكتشف فييرا طريقة مختلفة للتعايش مع الإعاقة، وتبدأ رحلة البحث عن مكانها وهويتها الجديدة)).
1 – سينما المحتوى
من خلال هذا الملخص تتبين المعالم الكبرى لهذا الفيلم الذي يمكن أن نختزل رسالته في جملة واحدة هي: “حين تتحول الإعاقة إلى دينامو محرك للحياة” ففييرّا شابة جميلة تضج حيوية، تتطاير شبقا وتتفجر أنوثة، تعيش حياتها بالطول والعرض والعمق. يقدمها الفيلم في مستهله وهي ترقص في ملهى ليلي بين صديقاتها وأصدقائها، لكنها حين تخرج تصدمها شاحنة لتفيق في المستشفى وقد تم بتر رجلها اليسرى على مستوى الركبة.
وطبعا كان لا بد أن تتأقلم مع وضعيتها الجديدة بكل ما أوتيت من عزيمة ، ذكاء وامتثال لنصائح الأطباء والمروضين وخصوصا ل (تعاليم) وحِكم زميل لها في مركز التأهيل “زاندر” الشاب ذو ال 22 عاما والذي زيادة على عامل الإعاقة الذي يشاركها فيه – رغم أنه أصلا ولد معاقا – فإنه يشاطرها هواية وحلم السفر على انفراد، كما يقرأ كثيرا من الكتب لكبار الفلاسفة مثل “غوتة” الألماني. فكانت أقواله تفعل مفعولا إيجابيا في ذهن ونفسية فييرا أكثر مما كانت تحدثه إرشادات الأطباء وصديقاتها وحتى والديها.
زاندر هذا يمكن اعتباره بطلا ثانيا وفاعلا مؤثرا في تركيبة الأحداث وليس مجرد سِنِّيد لفييرا، فهو ديناميكي لا يكاد يتوقف عن الحركة، حتى حين يسقط أرضا من فوق كرسيه لا يكف عن إصدار التعليمات قائلا لفييرا التي تصفه بالعاجز:
- – العجز هو أن تتقبل إعاقتك وتعتز بها.
- وهي أيضا تأثرت به فأصبح عدد من أقوالها بمثابة حكم بل غدت تنفث أحيانا سهاما سامة، مثلما حدث بينها وبين شابة كانت تمارس رياضة الجري فتجاوزتها وهي في كرسيها لتعود فتسألها هل تريد مساعدة من حيث دفع عجلتَيْ مقعدها مثلا؟ لكن وبابتسامة لا تخلو من مكر ردت فييرّا متسائلة:
- – وأنت؟
- أجابت الشابة مندهشة:
- – مالي أنا؟
- قالت فييرّا وقد ازدادت ابتسامتها خبثا:
- – هل ترديني أن أساعدك؟؟
- جواب طبعا لم يرق تلك الشابة فلوت بوزها وانطلقت تتابع ركضها. وفي سهرة حميمية بين الاثنين صرخت فييرا في وجه زاندر:
- – أنت شاب ذكي قرأتَ مآت الكتب عن السفر، لكنك أصلا ولدت معاقا. أما أنا لم أولد كذلك، أنا الآن لم أعد قادرة لا على المشي ولا على سياقة سيارة ولا حتى ركوب دراجة عادية وأنا من يصلح الدراجات؟
- فضمها إليه برفق وهمس إليها:
- – أنت ايضا معاقة، لكن عليك أن تثقي بجسدك وتحبيه من جديد
- 2 – تحليق في الماء
- فبفضل هذه الأقوال النافذة وأحيانا الفاتكة من طرف زاندر، وبفضل خرجاتهما وجنونهما بالرقص والركض والتسابق بالكرسيَيْن، بدأت فييرا تكتسب أولا ثقتها بنفسها كما بدأت تتصالح مع جسدها دون نسيان تعليمات مروضها الذي كانت حين تتعب من تمارينه أو تعجز كليا عنها، تصرخ في وجهه:
- – تبّا لك
- فيرد عليها بهدوء وابتسامة:
- – تبا لك أنت أيضا
- حتى غدت هذه الجملة مثار ضحك وتندر بينهما
- ومرة عاتبتها إحدى صديقاتها بسبب خروجها إلى البحر دون إخبارها مما أثار فزعها وفزع بقية الصديقات عليها، مذكرة إياها بأنها معاقة وما أتته من سلوك لا يأتيه مَن هم في وضعها، فردت فييرا:
- – نعم أنا معاقة لكني لا أتصرف كذلك
- وهكذا تستمر فييرا في عنادها، تحديها لإعاقتها وأيضا في الامتثال لتعاليم مروضها وهو يعلمها أبجديات الوقوف والاعتماد على جسدها كما هو دون أن تستند على الكرسي ولا على أي شيء. ثم السباحة برجل واحدة وهو يلقي بها وبكرسيها في المسبح. تم تصوير هذه اللقطة التي تم توظيفها في ملصق الفيلم، بالغطس المضاد من تحت لأعلى فبدا جسد فييرا المبتور طافيا إلى جانب كرسيها، وهي تفرد ذرعيها وكأنها تحلق وسط الماء.
- في آخر مشهد تخرج صبيحة يوم مشرق لتتجه إلى الشاطئ بمفردها، وفي لقطة طويلة تكاد تصل 60 ثانية أو تتجاوزها بقليل، وفي غياب أية موسيقى أو مؤثر سمعي سوى هدير البحر، ترافقها الكاميرا من خلف وهي تتقدم نحو البحر لتتوقف وتواجهه صامتة كأنها تدخل معه في حوار. ثم لا تلبث أن تنزلق من كرسيها مرتدية لباس سباحة أحمر وتعتمد على عكازين لترميهما وتبدأ في الزحف كالسلحفاة على بطنها، إلى أن تصل إلى الماء فترتمي فيه وتشرع في السباحة، ثم تنقلب على ظهرها وقد علت محياها نشوة فرح وانتصار بيّن.
- فعبر تقنية الغطس هذه المرة أو التصوير من أعلى لتحت، تغادرها الكاميرا وهي مستلقية على ظهرها لتبدو مثل سمكة حمراء ترقص وسط اليم الأزرق، هذا المنظر هو الذي سينتهي به الفيلم باعثا الأمل في النفس والانتشاء بالحياة. وبهذا يكون “ستاند آب” فيلم ذو محتوى إنساني غزير وليس فيلم تقنيات أو تمويهات وخدع سينمائية، موضوعه أهم من أسلوب معالجته.
3 – سهل ممتنع
دلالة العنوان اللغوية “ستاند آب” وتعني “قف” أو “وقوف” في علاقتها بمحتوى الفيلم في غير حاجة لشريح أو تبرير، وإنما عمد المخرج ماري ساندرز الذي هو أصلا إنسان معاق لا يغادر كرسيه ويشبه إلى حد بعيد ممثل شخص “زاندر” ومتخصص في إنجاز أفلام عن المعاقين وثائقية هذا أول فيلم روائي له في الموضوع، إلى بسطها على الشاشة عبر كتابة سينمائية سلسة لا تجنح إلى تغريب أو حذلقة فنية ولا تقنية كما أسلفت، بل هي ما يطلق عليه بالسهل الممتنع قوامه بالدرجة الأولى عنصر التشخيص، الذي أجادته بإقناع كامل الممثلة لوسي زميني في دور فييرّا، بفضل حركاتها ولاسيما بواسطة ملامح وجهها في مختلف مواقف الحزن، الصدمة، الفرح وخصوصا وهي تنتقل تدريجيا من حالة الضحك المتردد إلى البكاء الهيستيري. فكثيرا ما كانت الكاميرا تؤطر محياها الطفولي وعينيها المعبرتين في مناظر مكبرة مع إطالة زمن اللقطة لا تنبس فيها فييرا بحرف واحد، فيأتي صمتها هذا ونظراتها الثاقبة صراخا مدويا يصم تجاويف القلب، ويجعل المتفرج يشعر بفيض من المشاعر أولها التألم لوضعية المعاق وثانيهما التعاطف معه لحد مسامحته على أي خطأ يرتكبه نحو مجتمعه ولو وصل درجة الجريمة.

بنفس الإقناع والإمتاع لعب الممثل دان بورينغا دور “زاندر” ذلك المعاق الحكيم المجنون، المثقف المخبول، والكسيح الحركي في آن واحد، حيث كوّن إلى جانب لوسي زميني ثنائيا متكاملا حبا، معاناة وتحديا لإعاقتهما. وكثيرا هي اللقطات التي جمعت بينهما من غير حوار ساهمت في تبليغ رسالة الفيلم “حين تتحول الإعاقة إلى دينامو” ليس فقط محركا للحياة بل مفجرا لها، ربما لو كان بطلاها إنسانيين طبيعيين ما امتلكا كل تلك القوة والعناد وتلك الحركية والسُّعار بالحياة، حتى وهما يتسابقان ويدوران وهي تدفع كرسيه بكرسيها من خلف إلى أن يتدحرج على الأرض. وبدل أن تساعده على الوقوف تستلقي على قفاها بجانبه فتعانقه دون أن يكفا مع عن الضحك لتقول له حبا وامتنانا:
– لم أكن أعرف ماذا سأفعل بحياتي بدونك؟

