
نورس البريجة: خالد الخضري

عُرض في المسابقة الكبرى للأفلام الروائية الطويلة بالدورة 19 للمهرجان الدولي لفيلم المرأة بسلا، فيلم “هجرة” للمخرجة السعودية وهو ذو إنتاج مشترك بين السعودية، العراق، مصر وبريطانيا. ورد بملخصه:
((تنطلق “جنّى” ذات الاثني عشر عاماً، إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج برفقة جدتها “سِتّي” وشقيقتها الكبرى سارة. وحين تختفي سارة فجأة، تبدأ الجدة وحفيدتها رحلة بحث شاقة تمتد عبر مناطق مختلفة من المملكة العربية السعودية. وخلال الطريق، تنكشف أسرار قديمة وجراح عائلية تناقلتها النساء جيلا بعد جيل، لتتحول الرحلة إلى اختبار للمصالحة والخلاص)).
1 – هجرة مزدوجة
يمكن أن ندرج هذا الفيلم فيما يسمى ب “سينما الطريق” أو “سينما الهجرة”، وهي على كل حال طريق أو هجرة مزدوجة، شقها الأول جغرافي مكاني من بلدة إلى بلدة أو بلدان أخرى، وشقها الثاني روحاني من حالة إلى حالة ثانية. وكلا الطريقتين يتقاطعان كما يؤدي كل واحد منهما للآخر. وقد سبق للسينما العربية أن قدمت نماذج من هذا القبيل ندكر منها الفيلم المغربي (الرحلة الكبرى) لإسماعيل فروخي سنة 2004. ويحكي قصة أب مغربي مقيم بفرنسا يقرر أن يصطحب معه في رحلة إلى الحج، ابنه المزداد هناك والمتشبع بالثقافة الغربية بعيدا عن تقاليد أجداده الإسلامية بالبلد الأصل المغرب، وخلال الطريق بالسيارة يتوقفان في محطات وفضاءات كثيرة، لتغدو الرحلة مزدوجة بدورها داخل نفسية ذلك الشاب لتقريبه من أصله، دينه وثقافة أجداده.
فالطريق الأول في فيلم (الهجرة) هو الذي ستسلكه جَنّى صُحبة أختها سارة وجدتها سيتي من مدينة الطائف إلى مكة المكرمة لأداء مناسك الحج، لكن اختفاء سارة يجعلهما يسلكان طرقاً أخرى، و يتوقفان بمحطات وفضاءات متنوعة تجمع بين التل والسهل، بين البحر والبر، بين الجبل والساحل وبين القرية والمدينة.
كل هذه الفضاءات التي أطرتها الكاميرا بجمالية مقصودة، جعلتنا نعاين طبيعة المملكة العربية السعودية من عدد من مظاهرها، في الحر والقر، في الفجر والعتمة وتحت الشمس الحارقة والشتاء الهاطل بل والثلج المدرار الذي سيكون آخر ظل سيتفيأ جسد العجوز سيتي، وأيضا محطة عبور روحها إلى الضفة الأخرى من نهر الحياة قبل حلول روحها في جسد جمل، حسب المنظور الميتافيزيقي أو الأسطوري
وبهذا يكون فيلم (هجرة) ذو العنوان التقريبي البسيط، قد برر دلالته وبلغ رسائل شتى عن العلاقات الإنسانية الفذة خاصة بين الغرباء الذين لا تجمعهم أية قرابة سوى الطريق. بل حتى من سرقونا أو استغلوا حاجتنا، فإننا في مواقف ضعفهم وخذلانهم نؤازرهم مادياً، معنويا وندعو لهم بالرحمة والتوبة. ولعل خير مثال هو نفح العجوز سيتّي مبلغا ماليا للسائق أحمد حين اعتقلته الشرطة وقررت ترحيله لأداء ما عليه من غرامات وديون مخالفات وجنح كثيرة، الشيء الذي جعله يبكي تأثراً لهذا الموقف الإنساني المفرط في النبل والكرم، خلاف ما آتاه هو من قسوة واستغلال لتلك المرأة وحفيدتها.
2 – امرأة تتحول إلى ناقة
اكتسب الفيلم إلى حد ما طابعاً وثائقياً وروائياً، حيث كنا لا نكاد نعرف في السعودية سوى فضاءات الحج بمعالمها ومسالكها المعروفة على رأسها الكعبة المشرفة والمدينة المنورة ومدينة جدة الخ… في حين أن فيلم “الهجرة” سافر أو بالأحرى هاجر بنا إلى مناطق وعوالم أخرى وبأسلوب ذي واقعية شاعرية أداء، ملابس، ديكورات ومؤثرات نأت به عن الطابع الوثائقي. منها على سبيل المثال الفضاءات الصحراوية اللامتناهية والمساجد الصغيرة النائية، القرى التي تكاد تكون مهجورة كمحطة القطار المهترئة وما يتبقى بجنباتها من “قضبان حديدية” في طريق التلاشي، والسماء المشعة ليلا بنجوم لا تكف الطفلة جنّى عن عدها ورصد مواقع أسمائها كالنجم القطبي والنجمة الشرقية.
كما أطلعنا على كيفية رعي الإبل والتعامل مع الجمل، هذا الحيوان الصبور الخدوم للإنسان بشكل خرافي والذي لا ينسى الإساءة مهما طالت ليردها لمن بادره بها. فشاهدناه في الفيلم يجر سيارة بكاملها لمرآب الإصلاح، وكيف تواصل مع جنّى التي رافقته هي وجدتها في شاحنة نقل بشر ودواب وكانت تبادله (الرُّغاء) وهي ترغي صائحة مثله والمطر يهطل عليهم جميعا في مشهد مفعم جمالية، أُلفة وانسجاما بين الحيوان والإنسان والطبيعة. وربما في حلول روح السيدة “ستي” بجسد ناقة إحالة على صبر تلك المرأة وقطعها لمآت الأميال بحثا عن حفيدتها رغم مخاطر الطريق دون كلل، حتى ولو لم تقصد كاتبة السيناريو التي هي المخرجة ذلك.
وزيادة على جحافل الحجيج نساء ورجالاً وهم يرتلون القرآن الكريم أو يرددون التكبيرات والدعوات بقلب المدينة أو داخل حافلة الركاب، ترحل بنا الكاميرا إلى أقاصي القرى السعودية لنعيش مع أناسها طقوس العبادة والفلاحة والتداوي بالأعشاب وبآخر علاج العرب “الكَيْ” وكيف شُفيت به السيدة “سيتّي” وهي التي كانت على شفا حفرة من الموت. هذه المرأة الفولاذية المحملة بحقيبة يد، بكتاب الله في قلبها وعلى لسانها، وبكرسي تستعمله عكازاً تتكئ عليه في الطريق كما تؤدي فوقه صلواتها. جسدت الدور بحِرفية بالغة الفنانة خيرية نظمي، التي ارتدت طوال الفيلم قناعاً صارماً من التحدي والنظرات النارية ولم تبتسم إلا مرة واحدة حين كان أحمد السائق يغني مع حفيدتها جنّى في السيارة. وبنفس الإقناع والجودة جسدت الممثلة الصغيرة لامار فادن دور البطلة ذات 12 عاماً، بفضل عفوية أدائها واكتسابها لوجه طفولي ترتسم عليه بوضوح علامات الفرحة والخوف والدهشة والغضب، ولذا كانت المخرجة تطيل اللقطات المكبرة التي تؤطر فيها وجهيهما معا لمدة غير يسيرة، وكأنها تقول لنا شاهدوا جيداً وتأملوا لتستوعبوا وتشعروا.
3 – جوائز:
حصد الفيلم السعودي (هجرة) للمخرجة شهد أمين عدة جوائز إقليمية ودولية منذ عرضه:
- 2025: جائزة “نتباك” لأفضل فيلم آسيوي في مهرجان البندقية السينمائي الدولي.
- – جائزة اليُسر من لجنة التحكيم، وجائزة أفضل فيلم سعودي ضمن جوائز مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي.
- 2026: جائزة أفضل فيلم بمهرجان “مالمو” للسينما العربية.
- 4 – المخرجة:
شهد أمين كاتبة سيناريو ومخرجة سعودية من مدينة جدة. عُرض فيلماها القصيران (نافذة ليلى) و(عين وحورية) في عدد من المهرجانات الدولية ونالا عدة جوائز. قُدّم فيلمها الروائي الطويل الأول (سيدة البحر) في مهرجان البندقية السينمائي، واختير لتمثيل المملكة العربية السعودية في جوائز الأوسكار. ويُعد (هجرة) ثاني أفلامها الروائية الطويلة.

