فن وثقافة

ثقافة مضبوطة.. ثقافة زيادة

مشاهد مباشرة من القاهرة: المشهد السادس

نورس البريجة: خالد الخضري

عرفت القاهرة ومند زمن بعيد بوفرة المقاهي الشعبية التي تحول عدد منها إلى نوادي أو منتديات أدبية، ثقافية وفنية مفتوحة، أشهرها فيما مضى قهوة “الفيشاوي” بخان الخليلي حيث كان يجلس نجيب محفوظ وفي ركن منها كثب ثلاثيته الشهيرة: “بين القصرين”، “قصر الشوق” و”السكرية” في منتصف خمسينيات القرن الماضي. وقد غدا هدا الركن حاليا بمثابة متحف أومزار يشاهده المعجبون بعمُ نجيب ويلتقطون صورا معه.


لكن نجيب محفوظ انقطع عن هدا المقهى مند ثمانينيات وتسعينيات نفس القرن حين أصبح غاصا بالسياح لينتقل إلى قهوة “علي بابا” وسط البلد قرب ميدان التحرير. ومن بعد إلى قهوة “زهرة البستان” في شارع البستان المتقاطع مع شارع هدى شعراوي غير بعيد عن ميدان التحرير، حيث كان يعقد بها صالونا أدبيا مساء كل يوم ثلاثاء. بينما كان في تسعينيات القرن الماضي يعقد مساء كل يوم خميس صالونا زاخرا بكازينو قصر النيل الدي تحول إلى “كازينو النيل” على مقربة من دار الأوبرا. فكان يؤم هدا الصالون رهط من المثقفين والصحفين والمبدعين من روافد شتى، وكدلك الناس البسطاء حتى الأميون منهم الدين أحبوا عمُ نجيب من خلال الأفلام المقتبسة عن رواياته. في هدا المقهى / الصالون الأدبي أجريت حواري التاريخي مع نجيب محفوظ وكان دلك في نوفمبر من سنة 1992 وهو وارد في كتابي “مصر بالأبيض والأسود، قراءة مغربية في عين المكان”. يعني مضى عليه بالضبط 30 سنة لأبقى المغربي الوحيد الدي يتفرد بمحاورة هدا الرجل الاستثنائي، وسأنشر قريبا الحوار في هدا الموقع.

من بين بقية المقاهي الشعبية التي تنتعش بها المناقشات الأدبية والفنية وأحيانا “تشتعل” لحد العراك: “الحميدية”، مقهى”ريش” كان يجلس بها الفنان عبد الوهاب الدكالي حين كان مقيما بالقاهرة في ستينيات القرن الماضي. وكدلك صالة “الأتولييه” المخصصة للفنون التشكيلية. وحاليا تعتبر قهوة “زهرة البستان” من أشهر المقاهي الأدبية ولأزيد من 80 عاما خلت حيث كانت تجلس بها وتبدع أيضا باقة من نجوم الفن والأب والصحافة ضمنهم نجيب محفوظ نفسه كما أسلفت ومن الكُتاب: جمال الغيطاني، إبراهيم أصلان، وإدوار الخراط ثم الشاعر أمل دنقل الدي وصف “زهرة البستان” بكونها العمق الاستراتيجي لمقهى”ريش” الشهير. وبها جلس أيضا الشاعر الفاجومي أحمد فؤاد نجم بل حتى أم كلثوم رفقة القصبجي وأحمد رامي… إلى درجة دفعت بصاحب المقهى الأول الحاج عبد اللطيف أحمد إلى أن يكتب على جدار المقهى من الخارج عبارة: “زهرة البستان ملتقى الأدباء والفنانين”.
وأنا شخصيا كتبت فيها عدة تغطيات صحفية لجريدة “العلم” المغربية حين كنت أمثلها بمهرجان القاهرة السينمائي الدولي، كما راجعت وصححت بها كتابي المدكور عن مصر. وكنت أحيانا أسهر مشتغلا بها حتى 2 صباحا بينما زملاء آخرون كانوا يستمرون حتى الفجر وهم يتناولون مأكولات خفيفة ومشروبات القهوة من بن وشاي وسحلب وعصير قصب، مع “الشراب” الأكثر شيوعا في مقاهي مصر قديما وحاليا وهو “الشيشة”. إلا أن هده الأخيرة ومند جائحة كوفيد منع تناولها خارج المقاهي، باستثناء قهوة “زهرة البستان” لسبب بسيط هو أن ثلاثة أرباعها موجودة في زقاق ضيق تحف به نباتات خضراء وشجيرات وأصص أزهار، الشيء الدي يبعث على الهدوء والـتأمل والتركيز. وعلى جداريتها رسمت بطريقة الغرافيتي صور كل من نجيب محفوظ أم كلثوم والشاعر أحمد فؤاد نجم.
وحاليا هدا المقال داته أقوم بصياغته في رحابها وبحضني قطة “أكيدا أنها مثقفة” تتابع ما أكتب وأنا أتناول ثقافتي، عفوا قهوتي مضبوطة و”سادة” من غير سكر. بينما كنت أكرعها سابقا بسكر زيادة. وعموما يبقى الفن هو الفن.. والثقافة هي الثقافة سواء كانت مضبوطة..أو زيادة.. أو ع الريحة.

• إهداء إلى الشاب محمد عبد التواب وصديقته والدي التقط لي الصور المرفقة، فأصبحنا صديقين و”زيادة”.

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Back to top button