موسيقى

امحمد امْعَيْط.. رجل الثقافة والصداقة بامتياز(الجزء الثالث والأخير)

نورس البريجة : خالد الخضري

1 – امحمد، المؤمن المتفتح كان امحمد امعيط رجلا مؤمنا قناعة، قولا وممارسة.. وكان تدينه تدينا متفتحا يقبل الحوار والرأي الآخر.. فلم يكن يفرض عليك رأيا أو يوجه إليك موعظة لوعيه بأن الدين قناعة شخصية تربط المخلوق بخالقه بالدرجة الأولى. كما لم تكن أوقات الصلاة تفوته إلا بعذر قاهر.. يكفي دليلا أن الأزمة القلبية الأخيرة التي أودت بحياته ألمّت به وهو في طريقه إلى مسجد حي الجوهرة حيث يقطن لصلاة الصبح. وبإطلالة شاملة وسريعة على صفحة الراحل الفايسبوكية حاليا، تستشعر ذلك الإيمان الوازن والمتبصر وليس المعقد أو المتزمت الذي يمطرك يوم الجمعة بعشرات الخطابات والصور التي تبارك نفس اليوم !! من صفحته هذه أقتني صورة ونص هذا الدعاء الجميل:((يا صاحب الفرج.. يا عالي بلا درج.. يا من شق البحر لموسى حتى خرج.. أخرجنا من الضيق إلى الفرج)).أدى امحمد امعيط رحمه الله مناسك العمرة سنة 2018.2 – امحمد، المثقف المتذوقامحمد امعيط أيضا كان مثقفا ثقافة شاملة وذواقا موسيقيا وسينمائيا (مجاز في الأدب).. وكجل مثقفي تسعينيات القرن الماضي كان يقرأ لكبار الكتاب العرب والغربيين ويقتدي بأقوالهم كما كان – وكنا جميعا – نكتب أو نقص عبارات شهيرة لهم لنعلقها على جدران غرفنا – قبل حلول الأنترنيت ومواقعه والهاتف الذكي وتطبيقاته – كما كان يعلق صورة والدته عند رأسه فلا ينام حتى يقبلها ليفعل نفس الشيء حين يفتح عينيه صباحا. ومن شدة حبه لها التقط صورة سيلفي مع قبرها منشورة رفقته. كان مشبعا بتيارات حداثية تقدمية، يحب الطرب الأصيل والحديث في نفس الوقت كناس الغيوان، المشاهب والسهام.. كتب زميل دراسته وصديقه عبد العالي عازيف:((بخصوص الجانب الثقافي فقد أشار أخونا الرايسي لحب المرحوم لعديد المجموعات الغنائية المعروفة بخطها الجاد المناضل، فلم نكن نفوت ولا سهرة واحدة لناس الغيوان أو المشاهب أوالسهام…لقد كان يستعذب كلمات محمود درويش و أغاني مرسيل خليفة ونزار قباني إلى درجة أنه أسمى ابنه البكر باسم هذا الشاعر: نزار)). في ذات المجرى الثقافي والفني للراحل امحمد و امعيط، أقتطف من صفحته الفايسبوكية صورتَيْن ونصيْن:- أولاهما للكاتب الروسي ديوستوفسكي: “لم يعد العمر يتسع لمزيد من الأشخاص الخطأ” – وثانيتهما للشاعر الفلسطيني محمود درويش: “لا شيء يشبه شيئا.. ولا أحد يعوض غياب أحد.. أشياؤنا المختلفة إن ضاعت… ليس لها بديل !!” 4 – امحمد، الصديق الوفي عُرف امحمد امعيط بحبه لأصدقائه وللصداقة في حد ذاتها، فلم يحدث على الإطلاق أن سمعنا شخصا تدمر أو اشتكى منه.. ولا وقع أدنى خلاف بينه وبين أصدقائه كما زملائه في الرياضة والعمل والحياة بصفة عامة. كما عرف بخاصية إصلاح ذات البين بين الأصدقاء متى حل خلاف بين بعضهم البعض. وكان يسعى للقائه، كلما سنحت فرصة وجوده في فضاء معين يجمع على الأقل بينه وبين زميل أو صديق له. أما متى فاق العدد اثنين، تجده مصرا على اللقاء محددا بدقة علمية ورياضية زمانه ومكانه.. كما جمعنا نحن الثلاثة: هو والصديق عبد السلام الرايسي ثم أنا ذات أمسية صيفية في مقهى السندس بشاطئ الحوزية / الجديدة سنة 2019 (انظرالصورة المرفقة) . تميز امحمد امعيط كذلك بخاصية تقنية وهي تمكنه من التقاط الصور التي يبدو فيها مع صديق له أو أكثر بنفسه، يعني” السيلفي”.. بعكسي أنا مثلا حيث أعترف بفشلي التام في استعمال هذه الطريقة، فمعظم الصور المنشورة مع هذه المادة والتي يبدو فيها، هو ملتقطها.صاغ الصديق عبد السلام الرايسي في تعقيبه عن الجزء 2 من هذه المادة حول ميزة الصداقة وحرص امحمد على لقاء وجمع أصدقائه، هذه التدوينة: (( ورغم تفرق سبل العيش بيننا، ظل امحمد امعيط متمسكا بحبل اللقاء.. فكان حريصا على جمع ما تفرق وكأنها لحظات ما انقطعت. أعلم ُ جيدا صديقي امحمد أنك رحلت دون وداع ولا رجعة تاركا غصة.. وأعلم أنك لن تعود لتطلب مني سماع درويش أو لمشاهب أو الدخول للمطبخ أو الخروج للغابة والبحر… لا أدري كيف سنجتمع بدونك وأنت من كنت تحدد المواعد وتختار الأمكنة ؟؟)) يوم الأحد 30 يناير 2022 استطاع امحمد امعيط أن يجمع حوله أولاده، إخوته ومعظم أصدقائه وزملائه في الدراسة والعمل والحياة.. فكان هناك على الأقل من “اولاد البلاد” الزمامرة: عبد السلام الرايسي، يوسف علول، عبد العالي عازيف، مبارك فنيدي، حسن هروش، عبد الباسط الخضري، صاحب الدين عبد الحق وعزيز، إبراهيم الخميدي، حسن وبوشتى وامحمد أبو زيد، كلهم كانوا هناك إلا هو.. لأنه ببساطة لم يحدد ولم يختر موعد هذا اللقاء مكانا ولا زمانا.. ولكن اختاره من بيده روح امحمد وأرواحنا جميعا، ليبوِّئه المقام العالي ألف رحمة ونور عليه.3 – بطاقة تعريف:- ولد امحمد امعيط بن عبد الكبير بن امحمد والسعدية بنت محمد هرماش سنة 1968 بخميس الزمامرة.. أصله من سيدي كسيكسو قبيلة الغنادرة.. اعتُبِر والده المرحوم الحاج عبد الكبير ولد العجمي أشهر تاجر في المواد الفلاحية من حبوب وبذور وأسمدة ومبيدات وأدوية… ليس في الزمامرة فحسب، بل في دكالة كلها. فرزقه الله من الأولاد عشرة – لازالوا كلهم على قيد الحياة أطال الله أعمارهم باستثناء طبعا فقيدنا امحمد الذي حل في الترتيب الثالث رحمه الله – هؤلاء الأولاد هم على التتالي:– أحمد – بوشعيب – امحمد – محمد – فاطنة (بَحْرية) – نعيمة – عزيز – مصطفى – مبارك – وعبد الإله.بعد حصول امحمد على الباكالوريا آداب عصرية سنة 1987 التحق بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالجديدة ليحصل من هناك على شهادة الإجازة سنة 1991.عانى بعدها وكمعظم خريجي الجامعات آنذاك من أزمة البطالة مما اضطره هو وصديقه كما زميله في الدراسة عبد العالي عازيف، إلى الاشتغال كرجل أمن خاص Agent de sécurité بالجرف الاصفر إلى غاية سنة 1999 حيث التحق كعامل في مؤسسة مطاحن الجديدة. ونظرا لتفانيه وإخلاصه في العمل وبشهادة مالك المطحنة السيد أبو الهول، ظل يتدرج في المناصب إلى أن غدا مدير لها منذ سنة 2001 حتى وفاته رحمة الله عليه يوم الأحد 30 يناير 2022 ليوارى التراب في مقبرة الرحمة في موكب جنائزي لم أشهد له مثيلا، حيث توالت السيارات التي تبعت الجثمان من بيته بحي الجوهرة بالجديدة حتى المقبرة واحدة تلو الأخرى. ولحظة الدفن صرح السيد أبو الهول:-” أعباد الله، اللي كَيْسال شي حاجة لهذا الرجل يجي عندي نعطيها له”..قال هذا أبو الهول وهو يعرف – كما أعرف أنا وجميع من عرف امحمد امعيط – أن هذا الأخير لم يخلف وراءه ديونا بقدر ما خلف عطايا وحبا لا يقدر بثمن.ترك امحمد أربعة أولاد: – نزار: 2002 (طالب في شعبة الهندسة) – نرجس:2003 – ياسمين: 2007 – ثم رضا: 2014.. رضي الله عنهم وأرضاهم وأسكن والدهم القدوة فسيح جنانه.

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

Back to top button