
نورس البريجة: خالد الخضري
كان عمره حين توفي يقارب المائة وعشر سنوات. قرن بكامله لم تعرف حقنة طريقها إلى جسمه ولا مُسكِّن سبيله إلى معدته. ظل “يرى” و”يسمع” و”ينتبه” جيدا لما يقولون، وعندما يتكلم، ينطق التاريخ فيصمتون.
دخل لأول ولآخر مرة في متم القرن الماضي ،مستشفى محمد الخامس بالجديدة ليخرج منه مباشرة إلى القبر، لم يكن لديه وقت ليضيعه أو أمل ميؤوس منه يعيش عليه، فيتعذب بعدم تحقيقه. كما لم يكن له من يعذبه بالاعتناء به وبتطبيبه. علته الأخيرة والأولى على حد معرفتي به، كانت مثل: “هْبال ” بوهالي عبد الرحيم السقاط: “وإلى كان هبال ما ينفع معه لا طبيب ولا والي ولا بوهالي”.
ذلكم هو “بابا البوهالي” بترقيق حرف الباء في كلمة “بابا” الذي عاش ومات واقفا، وحين أثقل عليه المرض في أيامه الأخيرة وتحت إلحاح كثيرين من سكان دوار “العثامنة” والزمامرة ومساعدتهم، ارتفق – لأول ولآخر مرة – حافلة ركاب نقل عمومي ذهابا إلى الجديدة دون إياب.
كانت تشاركه حياته البوهيمية امرأة رعبوبة قصيرة القامة، ترتدي في معظم الأوقات “بيجاما” أيا كان لونها تتحول داكنة بفعل المواظبة اليومية عليها. ذات وجه أسمر زادته أشعة الشمس ولفيح البرد قتامة، وسط رأس صغير يكلله شعر أشعث وحليق كرأس طفل. لكن أجمل ما كان يشع في هذا الوجه المستدير، ابتسامة صافية ودائمة وهي لا تفتأ تمضغ قطعة حلوى أو تزدرد حبّات فنيد المگانة – كانت تحب وتزدرد الحلويات بشراهة – دون أن تكف عن مسح ما يعلق بأنفها من مخاط بين الفينة والأخرى، حتى غدا مشهد المضغ والمسح والابتسام، مألوفا لا يثير تقززا أو اشمئزازا من تلك المرأة التي يصعب تصنيفها: أمتسولة كانت؟ أم مهبولة؟ أم دريويشة “بنت باب الله”؟ أم بوهالية ؟
تلكم كانت رفيقة “بابا البوهالي” وزوجتة المعروفة ب: “بوجة”.
وأنا طفل حين كان والدي يحملني بين يديه، تطلب منه أن يسمح لها بتقبيلي:
- – أرى ليا نبوسو أبّا الهاشمي.
- وطبعا لم يكن بمقدور الوالد أن يرفض طلبها مثله مثل جميع سكان البلدة والذين كانت تعرفهم كلهم بأسمائهم وأسماء زوجاتهم وأبنائهم. فينحني والدي حتى تقبّلني على خدي وأنا أكاد أغوص في صدره منكمشا ومتقززا من
مخاطها وفمها الملطخ دوما بما تجتر.
يحكى أن “بوجة” بعد وفاة زوجها “بابا البوهالي” وفقدها لرعايته، هجرت كوخه، فغدت مشردة تعيش على التسول والمبيت أينما اتفق إلى أن فقدت بصرها. فحدث أن باتت ذات ليلة في العراء تحت أمطار غزيرة لم تستطع الاحتماء منها لتبتل عن آخرها. لكنها بقدرة قادر ما إن بزغت شمس اليوم التالي، حتى شاهدتْ بعويناتها أولى تباشير الصباح بعودة بصرها إليها. في حين تقول رواية أخرى أنها خارجت عارية تماما ترقص تحت المطر “في درب الجران بالزمامرة” حسب ما أورده الزميل هشام العذرواي في موقعه “الزمامرة اليوم”، وفجأة بدأت تقفز وهي تكاد تطير فرحا وهي تصيح “وراني ولّيت نشوف”. ومهما اختلفت الروايات حول هذه الحادثة، فما اتُّفق عليه أن بصرها عاد إليها بقدرة الخالق بعد فقدها له لمدة طويلة وهذا أمر يحدث.
كانت “بوجة” تخدم “بابا البوهالي” بتفان ووفاء نادرين.. فكانت تذهب لوسط (الفيلاج) وللأسواق المجاورة للزمامرة مثل ثلاثاء سيدي بنور، اثنين الغربية وسبت الوليدية، لجمع المساعدات والمواد الغذائية والإكراميات لتحضرها كلها لزوجها الذي كانت تدعوه أيضا “بابا” دون أن تحتفظ لنفسها ولو بفرنك واحد. مع العلم – وهذه معلومة جد مؤكدة يعرفها كل من عرف “بابا البوهالي” عن قرب – هو أنه كان رجلا جد منظَّم، عفيف ونظيف يزيّن كوخه بأصص من الزهور لم أر مثلها في حياتي. وكان من أوائل من جعلني أستمتع بفن الحكي حيث كان يروي لي سِيًر دي يزن والعنترية والهلالية، وهو يتصفح مجلدات صفراء يرصها في كوخه بانتظام بديع. وربما كنت الطفل الوحيد والمحظوظ الذي يسمح له بالدخول لكوخه، إذ لم أكن أُعيّره ولا أرميه بالحجارة من فوق كما كان يفعل معظم صبيان القرية.
كان والدي رحمه الله يبعث له بواسطتي من حين للآخر ببعض المساعدات النقدية، حيث كان “بابا البوهالي” يتعفف كليا عن تسلم قطع السكر أو الخبز ولا حتى الملابس، فهذا من اختصاص بوجة. وحين كانت تلمحني قادما، تنادي على زوجها بفرح طفولي:
– “وا بابا.. وا بابا.. ها ولد ابَّأ الهاشمي جاي”.
فكان يستضيفني ويجهز الشاي على مرجل فحم طبيعي من غير نعناع، واضعا أمامي صحنا صغيرا به بعض حبات الفول السوداني (كاو كاو) وأحيانا بعض قطع حلوى “الشبّاكية” و”المخرقة” التي كانت تحضرها بوجة من السوق مما تتم الجودة به عليها. وكم كان لذيذا شاي “بابا البوهالي”.
كان يفعل هذا وهو يقصّ “الكيف والطّابا”. لا زلت أذكر كل هذه التفاصيل وكأني أراه الآن أمامي يجلس القرفصاء: إعداد الشاي.. إعداد وجبة الكيف.. “تدخين السبسي” وحكي “الروايات” على حد تعبيره بصوت عميق بطيء كأنه آت من جوف بئر، لا زال حتى الآن دويه يتردد بوجداني كلما تذكرت “بابا البوهالي”. كان يحكي لي بإسهاب يجعلني أحلق في عالم الخيال. ولعله بهذا كان من أوائل من زرع في وجداني حب الخيال والحكي بواسطة الكلمة قبل الصورة.
كان هو من يغسل ملابسه. بل والأهم هو أنه أيضا هو من كان يطبخ ويعد الشاي ويغسل الأواني بعد الاستعمال، فلا يدع “بوجة” تضع يدها في إناء إلا لتتناول ما به. وشخصيا لم أشاهدها ولا مرة واحدة تشاركه الطعام في صحن واحد مع العلم أنه كان يحبها، يشفق عليها ويحميها.
يُحكى أن “بابا البوهالي” كان ابن قائد من قواد مرحلة السيبة بالصويرة تم اغتياله. فانتقم من قاتل أبيه بتصفيته بدوره، وفر ماشيا على قدميه من الصويرة حتى الزمامرة ليشيّد له ذلك الكوخ من الطين والأعواد وسط مقلع للحجارة (كاريان) كان يقع وسط دوار العثامنة. وحين كبرت فهمت لماذا اختار “بابا البوهالي” هذا المأوى الخطير فعليا، خصوصا في فصل الشتاء حيت كانت المياه تحيط به من كل جانب ثم تصب فيه ليبقى معزولا وسط الماء ولعدة أيام مثل جزيرة صغيرة. فالسبب باختصار هو أن “بابا البوهالي” شيّد لنفسه قلعة يحتمي بها، يستحيل معها وفيها ألا يرى القادم نحوها ومن جميع الجهات.
وكثيرا ما كنت أجلس أتفرج على هذا المنظر الخلاب وشلالات ماء المطر تهطل بغزارة على المقلع خاصة في فصل الشتاء، وكذلك كان يفعل كثيرون من المارة بجنب “الكاريان” كبارا وصغارا، لأنه فعلا مشهدا خرافيا كانن حيث تتدفق قرب الماء شلالات عارمة وسط حفرة الكاريان التي يبقى فيها كوخ بابا البوهالي معزولا تماما وسط الماء وكأنه يطفو فوقه، مما يجعلنا جميعا نتساءل:
– كيف يفعل الرجل وكذلك زوجته، ليعبر إلى كوخه دخولا إليه وخروجا منه؟
في حالات الصفو وبجنبات قصره لا سيما في فصل الربيع، كنت أرقب حركات وتصرفات “بابا البوهالي” متظاهرا باصطياد العصافير بقاذبة حجر “مُقلاع” مع بعض أترابي من أبناء القرية لكن دون أن نرميه بحجر أو نشتمه بعكس آخرين. فكنت أراه يسقي أصص أزهاره ونباتاته التي تحف بالكوخ، أو يغسل ثيابه وينشرها، ثم يعد “طاجينه” وشايه. وبعد ذلك يقتعد حجرا يدخن غليونه البلْدي “السّبسي” ويحتسي الشاي.
فكان يرانا طبعا دون إعارتنا أي اهتمام ودون أن يزجرنا بالابتعاد حيث إن مقلع الحجارة ذاك، كان كبيرا تنبث في جنباته كروم وشجيرات تعشعش فيها العصافير التي كنت في جد مولع باصطيادها وبارعا في صناعة قذائف حجارتها وأفخاخ اصطيادها.
أربعينيات القرن الماضي وربما قبل، أما هو فيُحكى أنه حل بالقرية في
فكل من تسأله عنه يرد: “مللي عقلت على بابا البوهالي وهو هنا”
وفعلا، لا زال وسيظل “بابا البوهالي” راجل بوجة هنا، قائما مقيما بوجدان جميع أولاد الزمامرة الذين عرفوه وشاهدوه عن قرب.



