
نورس البريجة: خالد الخضري

1 – وحش آدمي
“سبع بلْطايْن” أو “بو لبطايْن” أو”بو جلود” أو”هرْمة” أو”إمعشار” كلها أسماء لمسمّى واحد لعادة جميلة، هي عبارة عن احتفال شعبي عفوي وتلقائي مغربي يقام ليلة عيد الأضحى يوم النحر لا سيما في القرى والبوادي وضمنها دكالة. إذ تجتمع ثلة من رجال القرية من مختلف الأعمار أطفالا، شبابا، كهولا وحتى بعض الشيوخ لإلباس شاب قوي البنية سبعة “بطاطين” و”البْطانة” هي كساء أو بالأحرى جلد وصوف الخروف حين يتم سلخه بعد ذبحه طبعا. وتكون جد ثقيلة لما قد يعلق بها من مياه، دماء وأوحال، وبالتالي من المفروض في أي مرشح لارتدائها القوة ومتانة الأعضاء.
وسمي ب “سبع بلبطاين” لأنه كان يرتدي سبعة بطاطين: اثنتان في رجليه – بْطانة لكل رِجل – اثنتان لذراعيه – واحدة على ظهره وواحدة على صدره – المجموع ستة ثم السابعة يتحزم بها. في حين يرجع البعض سبب التسمية لشبه هذا (الوحش الآدمي) بالسبع، وإن كان بعيدا لأنك حين تعاينه عن قرب خصوصا في الليل، فإنك سترى تركيبة فريدة لم يأت بها ولا صناع أفلام الخيال والديناصورات والحيوانات المنقرضة. فإمعانا بالتخفي كان المعني بالأمر يلف رأسه بكيس خشن (خيشة) يتماشى لونه مع لون صوف “البطانة” ثم يحزم فوقه قرنَي كبش أو فردَتَيْ نعل تقليدي (بلْغة) – وهذا هو الشائع عندنا في دكالة – مما يمنح “لسبع بلبطاين” تفردا أو خصوصية تجعله لا يشبه أي حيوان من الحيوانات، لا الأليفة ولا المتوحشة ولا حتى الخرافية التي لاو وجود لها أصلا كالغول. هو بتعبير دقيق “وحش آدمي” ينط ويرقص ويضرب ببطانَتَيْ يديه الضخمتين كل من اقترب منه أو امتنع عن دفع إتاوة أو باروك العيد لجوقة المنظمين للاحتفال.
فكان بضربة واحدة يردي ضحيته أرضا وأحيانا قد يجلس فوقه ولا يقوم حتى يفدي نفسه بالباروك او تتشفع له “كْعَيْوِينة”. ولم يحدث أن اشتكى المضروب أو المطروح أرضا أو سب ولعن ضاربه وعشيرته بل كان ينفجر ضاحكا ويشارك في اللعبة / التمثيل وهو يصيح:
– جاد جماد.. جاد جماد.. أنا متايْب.

2 – الجميلة والوحش
ولعل من دواعي إخفاء “سبع بلبطاين” لملامح وجهه هو الحيلولة دون التعرف على شخصه في اليوم التالي حين يتخلى عن لباس وقناع التمثيل، وذلك لتلافي أي انتقام أو ما شابه وإن كان هذا أمر جد مستبعد، فلم نسمع قط عن شخص اشتكى إلى السلطة أو حتى للقبيلة عن ضربه من طرف “سبع بلبطاين” أو من قِبل “كْعَيْوِينة”، وهي رجل يلبس ويتخفى في زي امرأة يقلد صوتها ويزغرد مثلها، كانت لا تفارق سبع بلبطاين فتأخذ بيده أو تنهيه عن ضرب هذا أو ذاك حين تتسلم الإتاوة كما ترقص معه. وكلما ارتفع قدر الإتاوة كلما أمعنت في الزغردة والرقص. إنها باختصار الجميلة التي ترافق الوحش أو الغوريلا الجبار الذي تليّن حركاته وتمتص غضبه كما نشاهد في الأفلام.
في يوم “بوهَيْروس” – الوم الثاني لعيد الأضحى- وسمي كذلك لأنه في هذا اليوم يتم تقطيع الخروف مع كسر أو “تهْراس” عظام رأسه. ففي يوم “بوهيروس” هذا، نؤلف كتيبة حربية، نرتدي بقايا ثياب مقطعة – أسمالا – غالبا ما تكون الصدور والأظهر فيها عارية مثل الهنود الحمر، ثم نلطخ وجوهنا وأجسادنا بالصباغة والأوحال ونطارد المارة الذين يكون بعضهم ما زال مرتديا لملابس العيد النظيفة مثل الجلابة البيضاء حتى وإن لم تكن جديدة، فنطالبهم بإتاوة أو باروك العيد، فإذا امتنع أحد منهم يحل العقاب والذي يبتدئ من تلطيخ ثيابه بالوحل إلى رميه في “السّاگية” مجرى المياه المتاخم للدوار. وهكذا كانت تلك الاحتفالات تتوزع على النحو التالي:
* الليلة الأولى – يوم العيد: سبع بلبطاين ومعه “كْعَيْوينة” – اليوم الثاني نهارا: “بوهيروس” – وليلا “النْوِيگة” وهو تصغير لكلمة النّاقة “النْوِيقة” وهو أيضا وحش آدمي لكنه غير خرافي بل يشبه جملا أو ناقة يتكون من رَجُلين يحملان سناما مصنوعا من أغصان وأوراق الشجر يتم إخفاؤهما تحت غطاء جلدي سميك (باش)، حيث يبتدئ رأس هذا الحيوان بجمجمة جافة لبقرة أو حمار ليس بها سوى العظام، تُركُّب على طرف عصا وتُلَفّ بقطعة “خيْش” تبدو مثل عنق الناقة في شكلها ولونها، وتنتهي بذيل طويل يُصنع عادة من أغصان الدّرة وأوراقها .
ويتم ربط الفك السفلي من الجمجمة بحبل يمسك بطرفه الثاني، أولُ الرجلين اللذين يحملان السنام وهو القائد، فحين يرخي الحبل ينفتح فك الناقة وحين يجره ينغلق تبعا لحركة الفكين لدى جميع الكائنات الثديية. فكان الرجل بهذه الطريقة يعضّ أحد المتفرجين أو يخطف طاقية أو عمامة من فوق رأسه، الشيء الذي كان يثير الضحك أكثر من الخوف. وعادة ما كانت ترافق هذه الناقة العجيبة فرقة موسيقية تتكون غالبا من “رْباعة غيّاطة وطبّالة” فترقص على نغماتها. من أشهر الفرق أو “ربايْع” الطبالة والغياطة بالزمامرة في ستينيات حتى أواخر تسعينيات القرن الماضي رباعة “حْميدة ولْد القَرْعة” التي تبدو في الفيديو المرفق. ويوجد شبه كبير بين لعبة “النْوِيگة” هذه و”تِنّين” الصينيين الذي يصنعون له رأسا كبيرة من البلاستيك يحملها رجل في المقدمة على متن عصا يحركها بها، بينما يتكون باقي الجسد والذيل من عدة رجال تغطَّى أجسادُهم بثوب كبير مزركش في لون رأس التنين.
أما من كان يسوق الناقة ويجمع الإتاوات فهو “اليهودي” وهذا شخص يضع على وجهه لحية منسوجة من صوف الخروف، كنا نلصقها أحيانا بالعجين على قناع رجل نصنعه من يقطينة جافة (گرعة). أما الأسنان فكنا نركبها من البدور البيضاء لليقطين ذاته “زُرِّيعة الگرعة”. فكان هذا الرجل المفبرك يمثل دور التاجر اليهودي (العطّار) فيكون مضحكا ومهرجا في شكله، نطقه وحركاته وهو يقود “النْوِيگة”.
3 – سمَر، أكل وطرب

وطبعا كان لا بد من احتفالات عيد الأضحى الشعبية هذه، من إدارة صارمة تسيّرها وتجمع الإتاوات النقدية التي يجود بها سكان الدوار وضيوفه. وأحيانا كانت ترد هذه الإتاوات على شكل مواد غذائية مثل قوالب السكر أو علب شاي أو ثمر أو قطع لحم، وهذه كنا غالبا نعطيها لفقيه وإمام الدوار مع إكرامية مالية سخية قد تفيد في ترميم المسجد أو اقتناء حصائر أو زرابي أو “موكيت” أو مكبر صوت للآذان.
وما يتبقى من مبالغ ماليه ننظم بها حفلا فنيا ختاميا غالبا ما يتم في الليلة الثالثة للعيد نغني فيها، نرقص، نمثّل و نتناول صحون اللحم وقصعات الكسكس المتنوعة لوفرة اللحوم بالمناسبة، كما نحتسي الشاي ونضحك حتى صباح اليوم التالي، مثلما سنشاهد في الفيديو المرفق والذي صورته سنة 1990 بدار القاضي في دوار العثامنة، دائرة الزمامرة إقليم الجديدة / دكالة، بكاميرا الصديق المصور عزيز المهدي (JVC ou M7).
معتمدين على قنينة غاز صغيرة للإضاءة في غياب الكهرباء آنذاك بالدوار. لذا حتى وإن جاء بعض المشاهد معتما، فالعمل في حد ذاته يبقى ذكرى لرجال صنعوا هذه الفرجة الجميلة بتفان وحب، بعضهم شاخ مثلي (مرّ على تصوير الحدث 36 سنة) وبعضهم اختفى أو هاجر، والبعض الآخر توفي رحمهم الله. ويبقى أيضا وثيقة حية لباقة من تقاليد دكالة واحتفالاتها بعيد الأضحى المبارك وعلى رأسها سبع بلبطاين، بوهَيْروس والنْوِيگة. فرجة ممتعة عبر الرابط التالي:



