حصريات

عزيز النّايم، عنترة الدكالي يترجل عن فرسه

فنان بالفطرة

نورس البريجة: خالد الخضري
1 – أخ لم تلده أمي
انتقل إلى رحمة الله يوم الأربعاء الماضي: 26 غشت 2026 السيد عبد العزيز النائم المولود بالمنزل الكائن بساحة بور سعيد حي المويلحة في الجديدة، بتاريخ: 18 نوفمبر 1955 والذي جمعتني به علاقة فنية عريقة، تحديدا مسرحية منذ متم سبعينيات القرن الماضي، تحولت إلى صداقة متينة تجاوزت 40 سنة. إذ كنت أعتبر المرحوم عزيز أخا لي لم تلده أمي وليس مجرد صديق، إلى أن غدت هذه الصداقة قرابة جمعتني بمعظم أفراد أسرته لا سيما والدته المرحومة الحاجة عائشة التي َكنت أتوسد ركبتها وتغطيني بلحافها وهي تحذره:
– أيوا، ويّاك تقلق لي ولدي خالد
كما كانت شقيقته سعاد ولا تزال حتى الآن تناديني ب “خويا خالد” ويوم وفاته عانقتني باكية وهي تردد
– خوك مشا أخويا خالد
نفس العلاقة العائلية كانت تجمع عزيز بأفراد أسرتي إذ كان يعتبر “الميكانيكي الخاص” بسيارة والدي (فياط 127) لا سيما ما يتعلق بأضوائها، منبهها وكل ما يتعلق بكهربائها حيث كان متخصصا في كهرباء الآليات. بل إن عزيز من شدة حبه لي ووفائه لصداقتنا، أطلق اسمي على أوسط أبنائه خالد النائم الذي ولد في 28 ماي 1988. يشتغل حاليا في قطاع السياحة وله حس موسيقي مرهف إلى جانب شقيقته الصغرى فا،مة الزهراء التي تتوفر بدورها على حنجرة دافئة وموهبة في الأداء ، ولا غرو في ذلك فمن والدهما ورثا حب الفن وتعاطيه ولو على مستوى شخصي، فهذين الشِّبلين من ذلك الأسد. أما الشقيقة الثانية وهي باكورة أبناء المرحوم عزيز، فتسمى نجاة.
2 – عنتر وشيبوب
في متم سبعينيات القرن الماضي حين كنت عضوا بجمعية “المواهب والتربية الاجتماعية” تحت رئاسة الأخ مصطفى حبصان، وفي دار الشباب البريجة بالجديدة، ألفت مسرحية هزلية تحمل عنوان “العنترية الدكالية” أو (الجنان الأصفر) إحالة على الصحراء المغربية، استنادا إلى ملحمة عنترة بن شداد العبسي في مقاومته للعبودية والاضطهاد إلى أن أعلى راية بني عبس في سماء الكرامة والحرية. فأسندت دور عنترة لعزيز نظرا لطول قامته، سمرة بشرته، متانة عضلاته، قوة صوته وخصوصا َلجودة وأصالة لهجته الدكالية وسحنته الكوميدية، حيث سيتخصص فيما بعد في دور “العروبي” في عدة اسكيتشات ومسرحيات.
وفي مسرحية (العنترية) أديت إلى جانبه دور “شيبوب” أخ عنترة. ومن هناك انبثق اسم الثنائي الكوميدي “عنتر وشيبوب” إذ كنا معا بمجرد صعودنا للخشبة أو فتح الستارة علينا يضج الجمهور بالضحك والتصفيق قبل أن ننطق بكلمة واحدة نظرا للتناقض الذي يجمع بيننا فهو طويل وأنا قصير، بل كثيرون هم من كانوا يطلقون علينا اسم “الثنائي “إلْ” – il – كما نبدو في الصورة صحبته.
كما كان التناقض حاصلا على مستوى النطق إذ كنت أنا أتكلم باللغة الوسطى – لغة الصحافة كما يقال – وهو بلهجة عروبية صرفة. وخاصية التناقض هذه هي التي كانت تفجر الضحك لدى أشهر الثنائيات بالعالم أبرزهم لوريل وهاردي المعروفان ب (السمين والهزيل). وعلى المستوى المحلي يمكن التذكير بالثنائي السفاج ومهيول (الطويل والقصير)، الدّاسوكين والزعري (العروبي والمديني) حيث كان الأول هو الآخر يتلاعب بالمصطلحات بينما الزّعري يبقى جادا وجديا، نفس الشيء بالنسبة لبزيز وباز. وفي الجديدة تواجد إلى جانبي أنا وعزيز، كثنائي: عاقل ومعقول، المرحومان الشهبي والنسر ثم المرحوم بوضروس وصديقه فحصي أطال الله عمره.
وهكذا استمر الثنائي “عنتر وشيبوب” ودائما بلباس موحد “الجَّبادور” وبمواضيع اجتماعية مختلفة وملتزمة على امتداد 10 سنوات تقريبا، قدمنا خلالها سهرات وحفلات متنوعة في المسرح البلدي – مسرح عفيفي حاليا – وفي مقهى “نجمة المحيط” بشاطئ الجديدة كما في سهرات الهواء الطلق، وحتى في الرحلات والحفلات الخاصة، منها مناسبة احتفال بعيد ميلادي سنة 1984 ببيتنا في حي “للّا زهرة” بالجديدة حيث لعبنا مسرحية (حماقة) مثل فيها كل من المرحوم مصطفى عبيد كما الصديق سعيد العابد أطال الله عمره، بينما أدى عزيز دور حماقة العروبي وارتدى آنذاك جبة بنية، وكان جميع الحاضرين ينفجرون ضحكا. وهذه المسرحية بالذات اشتهر بها المرحوم محمد بنبراهيم وهي أصلا من تأليف محمد رمزي تارضا تحت عنوان: (مدرسة السوء). وقد لعبنا هذه المسرحية داخل وخارج الجديدة خلال بعض الرحلات والمناسبات منها حفلة عيد العرش بالمحكمة الابتدائية سنة 1980 قبل أن ألج سلك المحاماة، وكذلك بمناسبة “سبع بلبطاين” في الاحتفالات الشعبية لعيد الأضحى بدوار العثامنة بخميس الزمامرة في نفس الفترة تقريبا.
بعد تأسيسي صحبة الصديق سعيد مرزابي لجمعية البعث المسرحي سنة 1978، ستتحول إلى جمعية “البعث للمسرح والسينما” التي سيتوالى على رئاستها قبلي وبعدي، كل من الإخوة سعيد جوهور، عبد الرحمن أوجنان وبوشعبب زهير، شارك عزيز النايم في نطاقها في عدة أمسيات ورحلات ومسرحيات من ضمنها مسرحية قمت باقتباسها وإخراجها تحت عنوان: (محاكمة الرجل الذي لم يحارب) لممدوح عدوان كما مثلت فيها إلى جانب الإخوة سعيد مرزابي، سعيد جوهور، مصطفى عياد، عبد الكريم فليس، مصطفى شميحة، كما المرحومان مصطفى عبيد وعبد الكبير الذّوقي.
وكنا جميعا في هذه الجمعية بمثابة إخوة في أسرة واحدة نظرا لما كان يربط بيننا من محبة وتقدير لبعضنا البعض، ولا زال هذا قائما بيننا بالنسبة لمن هو ما زال على قيد الحياة متعه الله بوافر الصحة وأطال عمره. وكان عزيز أيضا بمثابة حارس أمن لي شخصيا ولجميع أفراد الجمعية وممتلكاتها المتواضعة دون أن يظلم أحدا أو يتعدى على حقوق الغير.
عزيز النايم لم يكن فقط يمثل دور العروبي بل كان يتقمصه ويعيشه وكأنه لا يمثل إلى درجة كان ينهال ضربا حقيقيا على أي زميل يمثل معه إذا اقتضى الدور ذلك، مثلما فعل معي في أكثر من مرة في مسرحية (حماقة) حيث كنت أمثل دور المعلم، فكان حماقة الكسول يرفع يده عاليا ليضربني وهو يردد:
– – صمّك ألكسولُ ألمعلمَ.
أو كما انهال على سعيد العابد في مسرحية (السمسار) أو (آيت باقنّا) دون أن يتعمد ذلك، إذ أن عزيز كان يندمج في الدور كليا ولكأن هذا هو الأخير هو من يلبسه وليس العكس، وكثيرا ما يحدث هذا الموقف مع كبار الممثلين عربيا ودوليا، مثاله لقطة صفع عمر الشريف لسناء جميل صفعة حقيقية في فيلم (بداية ونهاية) لصلاح أبي سيف سنة 1960 أردتها أرضا وأفقدتها السمع من الأذن التي تلقتها عليها فظلت تلصق بها سماعة طوال حياتها.
3 – فنان بالفطرة
عزيز النايم بعفويته وروحه المرحة كان يفجر الضحك خلال اجتماعاتنا، تداريبنا ولقاءاتنا الحميمية بين أصدقائنا، زملائنا وأقاربنا، فكان يستحيل ألا تلقاه أو تسلم عليه دون أن تضحك. وشخصيا استمر بيننا هذا الموقف الضاحك الجميل حتى في أواخر أيامه (25 يوما قُبَيْل وفاته) حين جالسته لآخر مرة بمقهاه المفضلة التي كان يجلس بها يوميا، قهوة “الغالي” بساحة بورسعيد (مدار الخياري) وأُثْخِمنا ضحكا ونحن نتذكر مقالبنا، قفشاتنا ومغامراتنا خلال شبابانا وحياتنا ككل.
عبد العزيز النائم (النعيم كما اشتهر) أو كما كان يناديه الأقربون “ابّا” عزيز ابن البحار المشهور الرايس بوافي، ابن أخ الرايس عبد القادر أمين البحارة سابقا رحمة الله عليهم جميعا. درس بمؤسسة ابن رشيق القيرواني، وامتهن حرفة كهربائي آليات، اشتغل بها في كل من خميسَيْ الزمامرة ومتّوح ثم الجديدة قبل أن يلتحق بالشركة الدولية للإنشاء التي وضعت حجر الأساس للقطب الصناعي للفوسفاط بالجرف الأصفر سنة 1978. وانتقل معها إلى العيون حيث قضى حوالي أربعة أعوام، عاد بعدها إلى مسقط رأسه ليلتحق بالمكتب الشريف للفوسفاط حيث أكمل المشوار حتى نيله التقاعد سنة 2016. وسيكتب له الحج إلى بيت الله الحرام رفقة زوجته الحاجة السعدية مجذوب سنة 2015 ثم عمرة سنة 2025.
رحم الله عزيز النايم ولد بوافي الذي كان مثالا للصديق الوفي، الإنسان الطيب الخلوق وأيضا على حد تعبير نجله خالد: ” فنانا بالفطرة”

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button