سينما

فاطمة المرنيسي: المعرفة أفضل أشكال الصلاة

أفضل ما تقدمه لله هو المعرفة

 نورس البريجة: خالد الخضري

1 – ندرة أعمال السير الذاتية

من بين أفلام الدورة 22 للمهرجان الوطني السينمائي المنظم حاليا بطنجة، مما حظي باستحسان عدد كبير النقاد، والمهتمين كما الجمهور العام، فيلم (فاطمة، السلطانة التي لا تنسى) للمخرج محمد عبد الرحمن التازي. بطولة مريم الزعيمي، نسرين الراضي، عبد المالك أخميس، مليكة العمري، رشيد الوالي، سكينة الفضايلي، عبد اللطيف شوقي

ما يحسب لهذا الفيلم كونه من الأعمال الدرامية المغربية القليلة التي تتناول السير الذاتية لشخصيات وطنية تألقت في مجالات الفكر، الفن، الثقافة أو الرياضة والتي بالكاد يتجاوز عددها رؤوس أصابع اليدين على النحو التالي:

* الموسيقى والغناء:

  • في السينما: (الحال) وثائقي طويل عن مجموعة ناس الغيوان – لأحمد المعنوني – 1982.
  • – (العيطة) وثائقي قصير عن الفنانة الشعبية فاطنة بنت الحسين في موسم مولاي عبد الله   ليزة جينيني – 1986.

– (خربوشة) روائي طويل عن المطربة الشعبية الشيخة حادة الزيدية العبدية. عاشت في نهاية القرن 19 – لحميد الزوغي – 2008.

– (القمر الأحمر) روائي طويل عن الملحن الراحل عبد السلام عامر – لحسن بنجلون – 2013.

  • في التلفزيون: (الحياني) مسلسل عن المطرب الراحل محمد الحياني – لكمال كمال – 2012

* الفن التشكيلي:

 في السينما: (الشعبيبة) روائي طويل عن الفنانة التشكيلية الدكالية الشعيبية طلال – ليوسف بريطل – 2015.

  • في التلفزيون: (الرگراگية) روائي طويل عن الفنانة التشكيلية المغربية بنحيلة الرگراگية – لكمال كمال – 2009.

* التاريخ:

في السينما: (زينب زهرة أغماث) روائي طويل عن زينب النفزاوية التي كان لها نفوذ سياسي كبير في مغرب القرن 12 بحكم زواجها من 4 أمراء على رأسهم الأمير المرابطي يوسف بن تاشفين – إخراج فريدة بورقية – 2014.

في التلفزيون: (السيدة الحرة) مسلسل يرصد سيرة حاكمة تطوان القوية في القرن السادس عشر إبان حكم الوطاسيين – إخراج إبراهيم الشكيري – 2018.

– (المجذوب) مسلسل عن الشاعر والحكيم الصوفي سيدي عبد الرحمن المجذوب سليل مدينة “تيط” المعروفة حاليا بمولاي عبد الله أمغار في إقليم الجديدة. عاش ومات في القرن 16. إخراج فريدة بورقية – 2009.
* الرياضة:

في السينما: (العربي) روائي طويل عن لاعب الكرة الشهير العربي بنمبارك – لإدريس المريني – 2019.

2 – سلطة الكتابة واللقاء الحي لدى فاطمة المرنيسي

ورد بالملخص:

“الفيلم استعادة لحياة فاطمة المرنيسي الشخصية النسائية المغربية الرائعة، عالمة الاجتماع والكاتبة التي شاع فكرها في جميع أنحاء العالم. هذه المرأة الجميلة ذات الأناقة الفطرية، عاشت ببساطة بين كتبها وأصدقائها معظمهم مبدعون في مجالات مختلفة. ظلت فاطمة المرنيسي تشتغل إلى حين وفاتها التي فاجأت أقاربها وأصدقاءها”.

جاء الفيلم للتعريف بهذه المرأة الاستثنائية عن قرب عبر تصوير مجموعة جزئيات تتعلق بمسارها وحياتها ككل، من أهمها أن بحوثها في المجال الاجتماعي لم تقتصر فقط على الورق والحبر أو حتى الحاسوب والتنظير عامة، بل نزلت إلى المجتمع ميدانيا بلحمها ودمها وشغفها بدعم فئات عريضة من العاملين في قطاعات حرفية بسيطة، لا سيما النسوة اللواتي أفنين زهرات شبابهن في الخياطة والطرز وإنجاز الزرابي الرائعة دون أن تتقاضين أجورهن كاملة بل منهن من لم تلمس ولا درهما واحدا مقابل مجهودها الخرافي  في مجالها هذا، دليله المرأة العجوز التي منحتها فاطمة المرنيسي عربون زربية لم تكمل نسجها فضحكت. وحين سألتها فاطمة عن سبب ضحكها أجابت المرأة:

– لأنني أول مرة بعد كل هذا العمر ونسج مآت الزرابي، أتناول أجري مباشرة لكون زوجي هو الذي يأخذ منتوجاتي لبيعها في السوق من غير أن أر درهما واحدا مقابل ذلك

فمن أجل هؤلاء النسوة كما الشباب والصناع التقليديين والحرفيين عامة، تحركت فاطمة المرنيسي بإمكانياتها البسيطة وجسمها النحيف مدعمة بحب عارم لهؤلاء وقناعة راسخة لما تقوم به. وأيضا بدعم معنوي ولوجيستيكي من صفوة من المثقفين والفناين أصدقائها ضمنهم محمد عبد الرحمن التازي نفسه بكاميرته والذي أدى دوره بإتقان برايس باكستر الگلاوي، المخرجة فريدة بنليزيد، وللإشارة فسناريو الفيلم صاغه هذان الاثنان – التازي وفريدة – بحكم صداقتهما ومعرفتهما لها عن قرب. الشاعر عبد الله زريقة، الفنانان التشكيليان عبد الحي الديوري والشعيبية طلال، المطربة ثريا الحضراوي، الباحث علي أمهان، ليلى الشاوي، عبد الكبيرالخطيبي.للتذكير، فمعظم كل هؤلاء بل جلهم من إفرازات الثورة الثقافية، الفنية وحتى السياسية التي شهدها مغرب سبعينيات، ثمانينيات وإلى حد ما مستهل تسعينيات القرن الماضي. إذن لا غرو أن تتشبع فاطمة المرنيسي بإيديولوجيات هذه المرحلة فتترجمها في كتبها، محاضراتها وتحركاتها الميدانية.

وكان يندر في أية جلسة من جلسات فاطمة المرنيسي سواء في محاضرات رسمية أو ندوات أو حتى في فضاءات حميمية ببيتها مع ذويها وأصدقائها ألا تتحدث المرنيسي عن حقوق المرأة التي كفلها أولا الإسلام قبل أي تشريع مدني أو دستور، حتى في المقاهي العمومية مثاله في مقهى قصبة الاوداية بالرباط حين صرحت بأن”حقوق المرأة تتعارض مع المصالح الذكورية”. ويكفي دليلا أن أغلبية كتبها خصصتها لنصرة المرأة والدفاع عن حقوقها وكرامتها من بينها: ” ما وراء الحجابالحريم السياسي” – “أحلام النساء الحريم (حكايات طفولة الحريم)” – “سلطانات منسيات”نساء الغرب: دراسة ميدانية” – “نساء على أجنحة الحلم – “شهرزاد ليست مغربية”

3- المعرفة صلاة والكتابة سلطة

من بين القضايا التي لم تفتأ فاطمة المرنيسي تدافع عنها وتتحدث عنها بحرقة، الحث على الكتابة التي تبقى بالنسبة لها سلطة، وإلا ما قامت جهات متطرفة تخاف من كتابتها بمنع توقيع أحد مؤلفاتها في مكتبة خاصة. لكنها لم تستسلم فردت بابتسامة واثقة، تعقب على من كان معها وهو يواسيها بأنها مهمة لديهم ولدى الجميع.:- أنا لست مهمة لأنني مجرد وسيلة زائلة، بل المهم هو كتبي لأنها هي التي ستدوم” وفي هذا السياق عاشت ثم ماتت وهي تحث على التعليم والعلم والمعرفة، فالمعرفة بالنسبة إليها هي “أفضل أشكال الصلاة”.

جسدت دو فاطمة المرنيسي وبإقناع كامل مريم الزعيمي، إذ وُفق التازي في اختيارها نظرا للشبه الذي يربط بينها وبين فاطمة من حيث محياها، تكوينها الجسدي، قصة شعرها وطرق لباسها حيث كانت فاطمة تحب الألوان الدافئة الحية كالأحمر القاني والأخضر والأزرق الفاتح، لون البحر الذي كانت تعشقه وتمشي على أديمه باستمرار وكأنها تستمد منه الوحي والطاقة. لذا كانت تحب الفنانة الفطرية الشعيبية طلال وكانت تربطها بها صداقة قوية، بلوحاتها المزركشة وطريقة لباسها هي أيضا. وباقة من الفنانين التشكيليين الذين لم يكن بيتها يخلو من لوحاتهم.

تجسد كذلك عشقها لألوان الحياة في ديكورات البيت، وألوان الزرابي ورسومات خيام وبيوت البوادي النائية في زاگورة والصحراء كما ألوان حبات العقيق المزركشة والتي كانت هي نفسها تساهم في تركيبها في عقود صغيرة لا تفتأ تعلق نماذج منها في عنقها، وأقراطا في أذنيها ودماليج ملونة في معصميها دون أن تتخلى عن ارتداء الجبة النسوية المغربية بمناسبة وبدونها وهي تلف شالات وخمارات حرير حول عنقها. لقد كانت امرأة مغربية حتى النخاع رغم أنها تكتب بلغات أجنبية وترتدي بين الحين والآخر ألبسة غربية.

4 – الفيلم روائي كامل

خلال مناقشة الفيلم صرح البعض أن هذا الأخير يجمع بين الوثائقي والروائي وهو قطعا ليس كذلك، بل هو فيلم روائي كامل تتخلله لقطات وثائقية جد قليلة هي التي تصور تكريم فاطمة المرنيسي في إسبانيا بحضور الرئيس البرازيلي، ثم روبرتاجا للفنانة التشكيلية الشعيبية طلال أنجزه عنها محمد عبد الرحمن التازي ذاته. ولو شاء هذا الأخير أن يجعل منه فيلما وثائقيا لفعل لتوفره على كم هائل من مواده الخام بحكم مرافقته لها في العديد من سفريتاها وبحوثها الميدانية موثقا ذلك بالصوت والصورة.

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button