سينما

كون حضيتي ترابك گع ما يحرثوه لك الرعاوين

تكريم مستحق لمخرج يستحق بمهرجان سيدي عثمان

             نورس البريجة: خالد الخضري

تحت شعار “السينما للجميع” افتتحت مساء يوم الأربعاء 22 نوفمبر 2023 الدورة 9 لمهرجان سيدي عثمان للسينما المغربية بالدار البيضاء، الذي ينظمه النادي السينمائي لنفس الحي تحت رئاسة الزميل والصديق عبد الحق مبشور الكاتب العام للجامعة الوطنية للأندية السينمائية بالمغرب. تحمل هذه الدورة اسم الفنان والمخرج حميد الزوغي الذي تم تكريمه في حفل الافتتاح، فكان لي شرف تقديم شهادة في حقه تمحورت حول تجربتي معه في فيلم (خربوشة) بسماحه لي حضور التصوير وإبداء ملاحظات خلاله مع تلقين الممثلين اللهجة العروبية – لهجة إقليمَيْ عبدة ودكالة – حيث جرت الأحداث في نهاية القرن 19 خلال المرحلة القائدية المعروفة بمرحلة “السبيبة”.

• Commettre un film

في ذات الكلمة أشدت بروح الحوار التي تحلى بها حميد الزوغي سواء أثناء كتابة السيناريو أو خلال معاينة مواقع التصوير وحتى اختيار الممثلين، ويعتبر هذا التعاون والتفاهم الذي جمع بين كتابة السيناريو والإخراج من أهم نقاط قوة هذا الفيلم الذي لا زال يلقى إقبال واستحسان المشاهدين سواء الجدد منهم أو الذين رأوه عدة مرات، إذ أن معظم – إن لم أقل كل مخرجينا المغاربة – يرفضون وجود السيناريست داخل مواقع التصوير، بل ولا يستشيرون حتى كتاب السيناريو حين يقع لُبس بشأن المضمون، الشيء الذي يجعلهم يرتكبون أخطاء قاتلة في أفلامهم، ولعل شر مثال بالنسبة لي فيلم (ولكم واسع النظر) الذي أخرجه حسن غنجة سنة 2014 رافضا حضوري خلال التصوير، فأنجز فيلما أقل ما يقال عنه، مقارنة له مع السيناريو: إنه جريمة أو كما يقال باللغة الفرنسية : Il a commis un crime au lieu d’un film الشيء الذي جعلني أتنكر لهذا الفيلم الذي لا يمت للسيناريو الذي كتبت – انطلاقا من سيرتي الذاتية في المحاماة – إلا من حيث العنوان، دون إنكار المجهودات التي بذلها طاقم الإنتاج وعلى رأسه الأخ عبد الحق مبشور لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

• مخرج كبير ذو رأس صغير

حميد الزوغي شكّل استثناء في هذا السياق جديرا بأن يُقتدى به من حيث السماح للسيناريست بحضور التصوير ومراجعة النص كما إبداء الرأي، فقط – وكما طلب مني هو – إذا ما كانت هناك ملحوظة بخصوص التمثيل أن أقولها لها هو وليس للممثل مباشرة حتى لا يؤثر ذلك سلبا على نفسيته من حيث تعدد إدارته. كما تعلمت من حميد كتابة السيناريو بنظرة إنتاجية، فأصبحت لا أخط أي مشهد على الورق حتى أتصور تكلفته الإنتاجية خصوصا في الأفلام التاريخية ذات الصبغة الملحمية، وأيضا الاختزال والدقة في المعلومات مثاله حين كتبت في المشهد الأول:

– “خارجي / صباحا بجنب النهر، نسوة يغسلن الصوف” فسألني عن عدد هؤلاء النسوة: هل هن 3 أم 30 أم 300 ؟” فالسينما بعكس الأدب والرواية تتطلب الدقة والإيجاز. كما إنني لم أكن مستشاره الوحيد في عدد من معلومات السيناريو، إذ سلم نسخا منه لبعض الأساتذة المهتمين بالتاريخ وبفن العيطة ضمنهم الصديق والزميل حسن بحراوي الذي أبدى ملاحظات قيمة في الموضوع، ناقشها معي حميدا فأقررناها معا. حميد الزوغي مخرج كبير لكن رأسه صغيروالدليل أو النتيجة واضحة في الفيلم.

• عشق التاريخ

وقّع حميد الزوغي 3 أفلام روائية طويلة كلها ذات صبغة تاريخية مع تفاوت في الحقب الزمنية: (خربوشة) سنة 2008 تجري أحداثه في متم القرن 19 – (بولنوار) سنة 2014 سيناريو بلعيد كريديس عن رواية لعثمان أشقرا، أحداثه في أربعينيات القرن الماضي – ثم (مواسم العطش) سيناريو إبراهيم هاني سنة 2022 وتتفاعل وقائعه في ستينيات القرن الماضي. والقاسم المشترك الثاني بعد التاريخ في هذه أفلام الثلاثة هو “وحدة الفضاء” إذ تجري كلها في الدواوير بالبادية : “خربوشة” في عبدة إقليم آسفي – بولنوار إقليم خريبكة و”مواسم العطش” في ناحية ابن جرير، حيث يبدو تحكم حميد الزوغي في هذا الفضاء سواء بتضاريسه شبه المقفرة، القاحلة والمتربة “بولنوار” و”مواسم العطش” أو المخضرة المعشوشبة “كخربوشة”.

 كما تُسجَّل لحميد خاصية حُسن إدارة الممثل إذ هو أصلا ممثل مسرحي في فرقة الطيب الصديقي، لنتذكر جميعا دور محمود العاشق في مسرحية (الحراز) لهذا الأخير. ويبدو تأثره بالمسرح في طريقة إدارته للأفراد الذي يبرز فيه التعبير الجسدي (حركات الممثل محمد نُعيمان في دور الشيخ الكسيح داوود، كما لطيفة أزليف الزوجة الشابة المحرومة جنسيا دون خروج عن قواعد الحياء). نفس التأثر المسرحي بدا أيضا في إدارته وتحريكه للمجاميع مع اعتماد اللقطات العامة أو الواسعة Plans larges حيث يبدو الممثلون في الشاشة وكأنهم يتحركون فوق خشبة عريضة. كما إن الزوغي عينه ممثل سينمائي مقنع بأدائه لأدوار البطولة المطلقة في عدد من الأفلام ضمنها الفيلم القصير(على جناح السلامة) لعزيز السالمي وآخرها في الفيلم الروائي الطويل (الطابع) لرشيد الوالي.

قاسم آخر يجمع بين أفلام حميد الزوغي هو جودة الحوار وإخلاصه لمحلية فضاء الأحداث كما لطبيعة شخوصه شكلا أي لهجة، ساعده في ذلك انتقاؤه لممثلين محترفين يتقنون اللهجة العروبية دون تصنع من أبرزهم في فيلم (مواسم العطش) فاطمة هراندي (راوية) في دور عايشة وأيضا مضمونا أي تعبيرا من حيث عمق المعاني والعبارات المخضبة بأمثال وحكم البادية والفلاحين، نموذجه ما قالته عاىشة ساجد لوالدة الشابة التي حملت من فتى القرية الوحيد:

“كون حضيتي ترابك گع ما يحرثوه لك الرعاوين”.

تصوير: محمد فريبوكار

Related Articles

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button